إن طرح الأسئلة الحقيقية هو بمثابة الخطوة الأولى باتجاه الطريق الصحيح الذي يتوجب على الدول والشعوب أن تسلكه، ومن ثمة فإن السؤال الأساسي الذي يمكن أن يطرح في العراق ليس ذاك المتعلق بهوية رئيس الحكومة، ولا بطبيعة الكتلة السياسية التي ستعتلي سدة الحكم فيه، وإنما هو شديد الارتباط بمحتوى البرنامج الذي سيسمح للعراقيين باستعادة الوحدة الوطنية والقضاء على الذهنية الطائفية المقيتة . إنه سؤال جوهره الاختيار بين السيادة والوصاية، سواء كانت مباشرة أو مقنعة تختفي وراء شعارات أضحت بالية ومكشوفة للجميع، اختيار بين العراق الذي يريد أن يكون وفياً لقيمه الحضارية التي جعلته يقود مسيرة التقدم الحضاري لقرون طويلة، وعراق خاضع لولاءات إقليمية ودولية تريده أن يظل معتركاً وساحة لتصفيات حسابات الآخرين .
إن الشعب العراقي الأصيل قد حسم خياراته ورهاناته المستقبلية منذ أن أطلَّ عليه الاستعمار بنيران آلياته المدمرة، لكن المشكل الذي يظل يؤرق أبناء هذا الشعب الطيب هو الحسابات السياسية الضيقة لبعض الساسة الذين يريدون أن يتجمَّلوا بمساحيق السلطة ويتمسكوا بقشور السياسة، حتى وإن كلفهم ذلك وأد أحلام الملايين والتضحية بجغرافية سياسية سالت من أجل رسم حدودها قوافل من الشهداء . لا شك في أن ما يحدث في العراق يُفرح كثيراً كل الذين لا يريدون أن يروا عراقاً شامخاً وقوياً، وكل الذين يفضلون تحقيق هوياتهم المتشظية والمريبة على حساب هوية وطنية كاملة ومتضامنة من حيث مرجعياتها الأساسية . إذ من العجب العجاب في المشهد العراقي الحالي أن يتسابق ذئاب وأعداء الوحدة الوطنية في الداخل والخارج، من أجل تقديم النصح للخصوم السياسيين ودعوتهم إلى تقديم التنازلات الضرورية من أجل تشكيل الحكومة العراقية، التي ربما تكون قد حطمت الرقم القياسي العالمي بالنسبة للمدة التي يمكن أن يستغرقها الأمر من أجل تشكيل فريق حكومي، وهي مرشحة الآن من أجل تحطيم رقمها الشخصي قبل أن يتم التوصل إلى الإعلان عن الحكومة المعجزة . حكومة لا يدري العراقيون على وجه التحديد إن كانت ستكون في مستوى مواجهة تحديات المرحلة المقبلة، التي يجب أن يتم فيها التعجيل بقطع كل أشكال التنسيق مع جيش الاحتلال، واستكمال بناء جيش وطني قوي ليس له ولاء آخر غير الولاء للوطن، من أجل تجاوز التركة الطائفية
الثقيلة التي عمل على ترسيخها الاستعمار الأمريكي .
ويمكن القول إن تشكيلة النظام السياسي الحالية مسؤولة إلى حد كبير عن حالة الشلل السياسي التي يعيشها العراق منذ نهاية الموعد الانتخابي الأخير، وحتى في حال توصل الكتل السياسية إلى اتفاق يقضي بتشكيل حكومة جديدة، فإن ذلك لن يفضي بالضرورة إلى إيجاد حل جذري لإشكالية السلطة في بلاد الرافدين، لأن ذلك سيؤدي إلى ترحيل الأزمة إلى مرحلة مقبلة، ولن يسهم في توفير حل جذري لمشكلة مشروعية ومرجعية السلطة السياسية في العراق، إذ إن استمرار البنية السياسية الحالية سيؤدي بأطراف كثيرة، ممن ضعفت لديهم قوة الولاء للدولة الوطنية، إلى الدفع بالعملية السياسية باتجاه الخيارات الانفصالية، خاصة وأن البنية السياسية الحالية باتت تشجع الكثيرين إلى المناداة بإقامة أقاليم جديدة تتمتع بهامش كبير من الاستقلالية أسوة بإقليم كردستان .
وعليه، فإنه لا يمكن للطبقة السياسية الحالية في العراق أن تحقق كل شيء دفعة واحدة، فالأمراض الذي أفرزها الاحتلال كثيرة والأدوية المناسبة يجب أن تُؤخذ على جرعات وليس دفعة واحدة، لا يمكن، إذاً، للعراق أن يحقق الأمن والاستقرار والنمو والتطور والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة دفعة واحدة، في الوقت الذي يتربص به الأعداء والخصوم من كل حدب وصوب . وفضلاً عن ذلك، فالنخب السياسية العراقية تعرف جيداً أن الديمقراطية الغربية التي يريد الكثيرون الاقتداء بها، هي في الأساس والمنطلق ديمقراطية نخبوية يصل الغرب إلى تأسيسها عبر عملية اصطفاء معقدة تسمح ببروز مؤسسات مدنية تضمن استمرارية الدولة، وتحول دون سقوطها بين مخالب النزعات الغوغائية للمغامرين . فالسلطة في الديمقراطيات الغربية الراسخة معروفة وبدائلها الممكنة معروفة أيضاً، ولها خطوط حمراء لا تستطيع أن تتجاوزها، ولا يمكن لأي معارضة سياسية في الغرب أن تغيِّر من طبيعة مشروعية الحكم ومرجعياته السياسية الكبرى، ولا يمكن بالتالي للغرب لا راهناً ولا مستقبلاً، أن يسمح بتكرار تجربة تسلم السلطة بطريقة عشوائية، كما حدث خلال التجربة النازية في ألمانيا أو مغامرة الحكم الفاشي في إيطاليا .
ويمكننا أن نزعم في هذا السياق المتصل بتشكيل الحكومة المقبلة أنه، وعلى الرغم من أن تدخل دول الجوار في الشأن العراقي من شأنه أن يضاعف من أزمة العراق، فإن بعض الجهود المخلصة والصادقة للأشقاء، على قلّتها، يمكنها أن تُسهم في تقريب المواقف ما بين القوى السياسية المتصارعة في العراق، وقد تساعد، على الأقل في المرحلة الراهنة، على تجاوز مرحلة الانسداد الحاصل والتعجيل بتشكيل حكومة قادرة على التصدي للتحديات المقبلة . وعلى تجاوز مرحلة الوصاية والانتقال السلس والهادئ إلى مرحلة السيادة التي من شأنها معالجة آثار الغزو والاستعمار بكل حكمة وتبصر، وعلى الذين يتربصون الدوائر بالعراق أن يعلموا أن أي مكروه يلحق بالعراق ستكتوي بنيرانه كل دول الجوار، إذ لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله .