ثمة قناعة لا تزال منتشرة لدى كثيرين، مفادها أن المعاناة قادرة على زج الكاتب، أو المبدع في أتون الكتابة، وباستمرار، شريطة توافر الموهبة الحقيقية التي لا بد منها لتقديم أي نتاج فني أو إبداعي . وبرغم أن مثل هذه القناعة بأهمية المعاناة في إغناء الموهبة وصقلها، ومقدرتها على فتح مجالات أرحب أمام هذا المبدع، فإن أية موهبة لايمكن لها- في الحقيقة - أن تواصل تقديم ما هو غني، فيما لو كانت عزلاء عن التجربة الإنسانية، وحساسية التقاط كل ما يشكل تفاصيل محيط المبدع، وبيئته في آن .
ولعل أدباء كثيرين، ومن كل أنحاء العالم، وعلى اختلاف لغاتهم، وجغرافياتهم، ومشاربهم، أكدوا- وعلى مدى العصور- هذا الشيء من خلال تجاربهم وإبداعاتهم . إلا أنه، وللحقيقة، للمعاناة نفسها حدود، وهي ضمن حدودها العادية قادرة على إيقاد الموهبة، وجعلها متألقة، معطاء، إلا أن هذه المعاناة نفسها، قد تأتي على الأخضر واليابس معاً، تذروهما أدراج الرياح، إذا طفح الكيل، واستفحلت، خارجة عن طورها .
يمكن القول - وعلى سبيل المثال - إن القلق الذي قد يعد أحد دوافع الكتابة، يتحول إلى أنشوطة تضيّق الخناق على روح الكاتب، فتهزمه، أو تحرفه عن طقوس الإبداع، متحولاً بهذا إلى دافع نحو القنوط، والهروب، والبحث عن الحل الفردي، بدلاً من أن يكون دافعاً نحو التفاؤل، والثقة بالذات والعالم، وإلا فكيف يمكننا أن نفسّر الانتحار الذي قد يقدم عليه فنان أو كاتب - في لحظة قاتمة - أو تحت نير كابوس اليأس، بسبب أحد ضروب المعاناة، فيحكم على نفسه بالموت، مغلقاً كثيراً من النوافذ التي كانت تفتحها إبداعاته، وكتاباته للآخرين . بل وكيف يهجر كاتب قرطاسه ويراعه؟ كيف تتحول آخر غيمة يحلق مبدع نحوها إلى سراب؟ كيف يجرؤ ذلك الذي طالما كرس حياته للحب والحياة إلى قطع وريده بسكين الهزيمة، لأن للمعاناة سقفاً ما، يعلو أو يهبط قليلاً، أو كثيراً، وذلك بحسب طبيعة هذا الشخص أو ذاك، والمعاناة إذا كان يمكن اعتبارها حافزاً إبداعياً ضمن إطار معين، فإنها تثبط المبدع وتصدع ثقته بالإبداع، وسواه، إذا ما تجاوزت هذه الأسوار المدهشة، التي تظل المعاناة داخلها وديعة، إنسانية، جميلة، بيد أن تحولها إلى مارد ، يحطم كل شيء، إذا سمحت للمعاناة بتخطيها، وتجاوزها، ولقد قال أحد الكتاب: أية كتابة يمكنك أن تقدم عليها وأنت لا تجد في جيبك ثمن دواء طفلك أو رغيفه؟
إن المعاناة العظيمة هي تلك التي يسيطر عليها الكاتب، ويتمكن من توظيفها في خدمة الإبداع، لا أن يرفع يده أمام كوابيسها، عاجزاً، عيياً، غير قادر على القيام بالمواجهة . كما أن المبدع أحد كنوز وطنه الأكثر أهمية، وأن تذليل المصاعب التي يواجهها، مهمة على عاتق مجتمعه، لأن الإبداع الإنساني هو التراث الروحي الأكثر صدقاً على امتداد التاريخ .
elyousef@gmail.com