ترتفع لهجة “الحركة الشعبية” في جنوب السودان تهديداً ووعيداً ضد الخرطوم، والأصح ضد السودان، كلما اقترب موعد الاستفتاء الذي سيُجرى في الجنوب في يناير/ كانون الثاني المقبل، في ظل خلافات مازالت مخيّمة بين الحكومة و”الحركة”، وكان منتظراً أن تُحلّ في ما تبقى من فترة فاصلة على مطلع العام المقبل .
“الحركة الشعبية” تهدّد ب “خيارات كثيرة” وتدعو إلى إجراء الاستفتاء في موعده بالتي هي أحسن، حسب تعبيرها، ومن بين خياراتها، كما تقول، “حرب من نوع خاص”، ولا ترى إلى الأمور إلا من منظار الانفصال، ودقّ إسفين في وحدة السودان، فاتحة الطريق نحو تفتيت هذا البلد، لأن ذلك سيفتح شهية آخرين من الطينة السياسية نفسها لاعتماد النهج التقسيمي نفسه .
وحديث الحرب كان قد حذر منه مستشار للرئيس السوداني منذ أسابيع، عندما قال غازي صلاح الدين “تخيلوا لو أن الاستفتاء جرى وحدث الانفصال، ولم يتم التوصل بعد إلى اتفاق في شأن الحدود” . وأضاف أن هذا “سيكون بمثابة حرب” . وإلى الحدود، هناك قضايا الجنسية والديون الخارجية والاتفاقات الدولية .
ولأن حقول النفط الرئيسة تقع في المناطق “الفاصلة”، والتي يراد لها أن تكون حدوداً، ها هي مجموعة الأزمات الدولية تدخل على الخط، وتحذّر من أن “الحدود” غير الواضحة بين شمال السودان وجنوبه تشكل “مصدر توتر خطير”، وترى أن “وجود موارد النفط أساساً في هذه المناطق عزّز الانعكاسات السلبية والاقتصادية لترسيم الحدود، وبعض المناطق ترتدي طابعاً عسكرياً خطيراً” .
الواضح أن ثمة من ينفخ مجدداً في بوق الحرب فارضاً حالة ترهيب معلن في مرحلة ما قبل الاستفتاء، لكأن السودان ينقصه أن يستهدف بمزيد من المعاناة والكوارث، بعد الذي أصابه في حرب دامت عقدين من الزمن وأهلكت الزرع والضرع، وأودت بحياة مليوني سوداني، وها هو اليوم مهدد مجدداً بأشباح الحروب والتقسيم .
إن أولي الأمر مطالبون بالاتعاظ من التجارب السابقة، وليبقَ الحوار سيداً، ومصلحة السودان العليا فوق كل اعتبار، وعلى الجميع سحب الفتائل التي يراد إشعالها من جديد، بعيداً من لغة التهديد والوعيد التي لم تنتج في ما سبق، سوى الضحايا والخراب والعودة عقوداً إلى الوراء .