اختبار للمصارف بالذخيرة الحية آخر تحديث:الأحد ,01/08/2010

“مناورة عسكرية في خلال الحرب الحقيقية” . هكذا يمكن وصف تجربة اختبار الضغط التي خضعت لها المصارف الأوروبية وأعلنت نتائجها الأسبوع الماضي، لمعرفة قدرة تحمل المصارف أزمات مفاجئة، قد تنجم عن تراجع النمو الاقتصادي في بلد المصرف المعني بواقع 3 في المائة دون توقعات الحكومة، وعن انهيار أسواق السندات السيادية . والحال، أن المناورة العسكرية تحصل في فترات السلم والاستقرار، للوقوف على مدى جهوزية العسكر لحرب محتملة .


من أصل 91 مصرفاً أوروبياً عينة مختارة خضعت لاختبار الضغط، رسبت سبعة مصارف، من بينها خمسة إسبانية، واثنان أحدهما ألماني والآخر يوناني . وبحسب ما قررته المفوضية الأوروبية في اجتماع بروكسل خلال يوليو/ تموز الجاري، ستمد الحكومات المعنية عند الحاجة المصارف الضعيفة بالسيولة . وإذا كانت الحكومات عاجزة عن ذلك، فبوسعها اللجوء الى آلية الدعم الأوروبية التي أقرت وحجمها 750 مليار يورو .


شكك عدد كبير من خبراء المال والمصارف في أوروبا بالمعايير التي وضعت لاختبار الضغط، واعتبر أن النتائج التي أسفر عنها الاختبار لا تنم عن واقع حال عدد كبير من المصارف الأوروبية، قد يواجه صعوبات في المستقبل غير البعيد . وذهب رئيس مركز دراسات السياسات الأوروبية دانيال غروس الى حد وصف الاختبار ب”تبرئة شكلية للقطاع المصرفي الأوروبي، فوتت فرصة حقيقية لتنظيفه” .


اللافت في كل الأزمة المالية العالمية، التي كانت المصارف الأمريكية ووكالات الرهن العقاري ذات الصلة شرارتها الأولى، ليست “التقارير المتفائلة” التي كانت تضخها في الأسواق وكالات التصنيف الدولية المعروفة عن تلك المصارف والوكالات، والتي أسبغت عليها درجة ثقة ممتازة، ولا التوقعات المشابهة لصندوق النقد الدولي فحسب، بل شبه الصمت الذي يلوذ به بنك التسويات الدولية في بازل . أي المؤسسة التي طالما لعبت دور الشرطي المصرفي دولياً، والمصرف المركزي للمصارف المركزية في العالم، الذي يضع معايير وأصول العمل المصرفي الدولي . وما على الآخرين إلا تطبيقها . ولا نغالي القول، إن الخارج على تلك المعايير من دول العالم، لا يمكنه فتح اعتماد، أو تلقي تحويلات مصرفية، أو إرسالها من/ وإلى أي مصرف في الولايات المتحدة وأوروبا . أي عملياً، يصبح خارج المقاصة الدولية والعمل المصرفي الدولي .


منذ عقدين من الزمن ويزيد، فرض بنك التسويات الدولية ما عرف ب”بازل 2” للملاءة المصرفية . ووضع حدوداً دنيا للرساميل وأموال المصارف الخاصة والأموال المساندة لملاقاة أوزان الموجودات المثقلة بالمخاطر . وشددت الدعامتان الثانية والثالثة على أصول التدقيق المحاسبي، وشفافية الأرقام وقواعد الإفصاح والإدارة الرشيدة، وأنظمة الرقابة الداخلية، ووجوب إعادة تقييم المخاطر كل فترة للمتابعة الدؤوبة لنوعية الأصول تحسباً لتراجعها وخلاف ذلك . ومنذ سنوات ثلاث والحديث عن “ بازل 3” قيد الإعداد في بنك التسويات الدولية، لفرض معايير مصرفية جديدة تجنباً لمخاطر غير متوقعة .


صدقوني أن هذه الأزمة كانت ستحصل بوجود “بازل 3” و” بازل 4” . لقد تم الالتزام تماماً بمعايير الكم من “ بازل 2” العائدة الى كفاية رأس المال، بما يتجاوز 8 في المائة أموالاً خاصة . نسبة الملاءة في المصارف اللبنانية كقطاع تصل الى حدود 12 في المائة على سبيل المثال . الأهم أن المعايير النوعية من “ بازل 2”، العائدة الى أدبيات العمل المصرفي من الشفافية، والإفصاح، والتدقيق الداخلي والخارجي، والرقابة، وعدم التجاوز على النسب الحدية في استلاف كبار المساهمين، أو في دخولهم بالباطن في عمليات تسليف لعملاء مشكوك في ذممهم الائتمانية، كل ذلك تم التفريط فيه . ركوب المخاطر من خلال الاستثمار في أدوات مسمومة عالية الريبة، توخياً للأرباح، وقصور فظيع في أجهزة الرقابة يصل الى مرتبة التواطؤ أحياناً في وول ستريت وعواصم المال والصيرفة في العالم، باقيان ومستمران ولا تلجمهما معايير . لقد وقعت الأزمة في زمن النمو والبحبوحة، وليس في زمن القلة . الهم الأساسي الآن يتركز على مخاطر إدارة السيولة . لماذا؟ لأن السيولة المريحة تفتح شهية المضاربين والمديرين التنفيذيين على المال السهل . ومستمرون في هذا النمط من أزمة الى أخرى كل عقد من الزمن أو نحوه .


الاختبار الحقيقي المطلوب ليس للمصارف الأوروبية أو الأمريكية وغيرها، بل للنظام الاقتصادي العالمي الأم، الولادة الحقيقية لكل أنواع الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والإنسانية . الاختبار هذا لا يحتاج الى مناورة . انه اختبار بالذخيرة الحية .


* صحافي وكاتب لبناني


 

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 

  بقيـة المـواضيـع

 

  ســوق اليــوم

نفــط

 $ 77.90

ذهــب

 $ 1255

فضـة

 $ 20.02

يــورو

 $ 1.549

استرليني

 $ 1.549

يــن مقابل الدولار

83.83

لندن 17:45 جرينتش

 

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008