ثقافة
أفق
الثقافة وهموم اللغة آخر تحديث:السبت ,13/03/2010
محمد إسماعيل زاهر

لعل من أمتع التفسيرات التي قيلت في أسباب نشأة اللغة ما نقرأه في كتاب “أجمل قصة عن اللغة” من تأليف باسكال بيك وآخرين، حيث يربط ما بين اكتشاف الإنسان القديم للنار والتي في أضوائها المتراقصة التقت مجموعات من الناس لسرد الحكايات الأولى التي تسطر بدايات قصة البشر، وبغض النظر عن إمكان قيام قراءة دلالية ما برصد الرموز الكامنة في هذا التفسير الذي يمزج بين النار، الكلام والحكاية، فإن ما يعنينا هنا المفارقة التي بتنا نلاحظها كل يوم، والتي تتمثل في أننا نعتبر من أكثر المتحدثين اعتزازاً بلغتهم القومية: ماضيها ومنجزاتها، جمالياتها وإضافاتها إلى الثقافة الإنسانية، وهو حديث مصحوب بشكوى متكررة دوماً حول تراجع هذه اللغة، مع غياب واضح لأي إسهام يتعاطى مع أحدث النظريات العالمية حوله اللغة: نشأتها، واقعها ومستقبلها .


نلاحظ في معظم الكتابات التي تتباكى على تدهور حال اللغة العربية، أنها ترجع هذا التدهور إلى ثلاثة محددات أساسية: التعليم، الإعلام والعولمة، ولكن ماذا عن المثقف نفسه؟ انه اكتفى بالمشاهدة وتقمص دور المراقب عن بعد، وهنا بإمكاننا أن نلاحظ بسهولة غياب أي كتاب فكري جاد عن اللغة العربية .


ومرة ثانية غياب أية معركة حول اللغة ولو من قبيل الترف، إنها حالة تكلس لم تعرفها ثقافتنا من قبل، والملاحظ كذلك أن مصطلحات من قبيل هرمونطيقا اللغة “التأويل” أو فلسفة اللغة أو السيسولغة، الحراك المجتمعي وراء التغير في اللغة، هي مصطلحات مستوردة حاول بعض البنيويين العرب تطبيقها على الأدب العربي، فجاءت دراساتهم أشبه بالمعادلات الرياضية .


تشعرنا الكتابات السابقة الإشارة إليها أيضاً بأن اللغة هي الأصل، بمعنى أن اللغة أساس الهوية، والبوابة الرئيسية للنهوض الثقافي، وهي رؤية تعكس الأمور، فنحن حتى الآن لم نتخلص من قلق الهوية المزمن، ولم نسمع عن عالم لغة عربي قدم إسهاماً يشارك به في زخم التنظير اللغوي في العالم، أو يصلح ليكون مقدمة مشروع نهضوي عربي . والمؤسف، وربما المثير للسخرية، أن اللغة جاءت في ذيل اهتمامات أصحاب المشاريع الفكرية العربية الكبرى، وربما مرة أخرى نُظر إليها بسلبية . والأكثر مدعاة للأسى أن كتابات طه حسين والعقاد وأحمد أمين، على سبيل المثال، قدمت رؤية تطبيقية لامتزاج اللغة العربية بأفكار العصر، نحن نستمتع بأسلوب طه حسين “شبه الكلاسيكي” بقدر تعاطينا مع أفكاره الحداثية .


إن أجمل قصة بإمكان مثقفنا اليوم أن يكتبها عن اللغة، تتمثل في ضرورة اعتبار الثقافة هماً فكرياً لا ملاحظات يومية يلقي بها على عاتق أطراف أخرى، ساعتها فحسب، سنستطيع أن نكتب عن تفسيراتنا الخاصة لنشأة اللغة وسنطور جدل تراثنا القديم حول هذه المسألة ونبدع سرديتنا اللغوية الذاتية .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008