كيف يمكن تفسير ظاهرة هذا الكمّ الكبير من العملاء والجواسيس الذين استطاعت “إسرائيل” تجنيدهم في لبنان لحسابها، وتمكنت بهم من تنفيذ اجتياح استخباراتي غير مسبوق؟
كيف تمكنت “إسرائيل” من تحقيق هذا الاختراق على الساحة اللبنانية لشرائح وطوائف مختلفة الانتماءات السياسية والدينية والاجتماعية، بل شمل الاختراق أيضاً المؤسسة العسكرية من خلال ضباط عاملين أو متقاعدين .
لقد تمكنت الأجهزة الأمنية خلال عام ونيف من اعتقال أكثر من 150 شخصاً كانوا يعملون في إطار شبكات تجسس مختلفة وعلى مختلف الأراضي اللبنانية، بهدف جمع معلومات عسكرية وتحديد مواقع وأهداف، أو مراقبة شخصيات وتنفيذ عمليات تخريب . وكان الهدف الأساسي لهذه الشبكات المقاومة اللبنانية والجيش اللبناني، وهناك العشرات من العملاء تمكنوا من الفرار قبل أن يلقى القبض عليهم، ولا شك في أن هناك العشرات من العملاء الذين يواصلون عملهم ولم يكشف أمرهم بعد، إضافة إلى عملاء “الخلايا النائمة” .
وإذا كانت الساحة اللبنانية مستهدفة بهذا العدد الكبير من شبكات التجسس، فلأنها تشكل بالنسبة للكيان الصهيوني البؤرة الأشد والأكثر خطراً على أمنه، خصوصاً بعدما كشفت حرب يوليو/تموز 2006 قدرة تنظيمية وتسليحية غير متوقعة لدى المقاومة مكنتها من الصمود طوال 33 يوماً من حرب مدمرة، وأخفقت خلالها كل الأهداف التي سعى الكيان إلى تحقيقها، ومع هذا الإخفاق تزايد اهتمام “إسرائيل” بالساحة اللبنانية في محاولة منه للوقوف على مكامن قدرة المقاومة وطريقة عملها وتنظيمها ومخابئ أسلحتها ووسائل السيطرة والقيادة لديها، استعداداً لأي عدوان جديد تعد له تكون نتائجه مختلفة عن عدوان عام 2006 .
من البدهي أن تخوض “إسرائيل” حرب استخبارات واسعة في لبنان ضد المقاومة والجيش اللبناني، ذلك أن معرفة العدو هي نصف المعركة إذا ما تحققت هذه المعرفة، لكن لا أحد كان يتوقع أن يكون حجم الاجتياح الاستخباري بهذا الاتساع والحجم .
لقد استغلت “إسرائيل” بنجاح عوامل عدة لترتيب وتنظيم شبكات التجسس، من بينها:
الانقسام السياسي الحاد، ببعديه الطائفي والمذهبي، خلق فجوة واسعة حول مفهوم الصراع مع الكيان الصهيوني، وخصوصاً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، هذا الانقسام تجلى بوجود كتلة شعبية تدعم المقاومة انطلاقاً من رؤيتها بأن الصراع مفتوح، وأن السلام مع “إسرائيل” مستحيل، وأن لبنان مستهدف، ولا بد بالتالي من الاستعداد الدائم لمواجهتها . وهناك كتلة أخرى معادية ل”إسرائيل”، لكنها ترى أن المقاومة كونها يغلب عليها مذهب واحد ليست مرغوبة في أن تحمل وحدها لواء مقاومة “إسرائيل”، خصوصاً أن هذه الفئة تستشعر خوفاً من أن تتحول القوة العسكرية للمقاومة إلى قوة سياسية يمكن أن تحدد موازين الغلبة على الساحة اللبنانية .
العنصر الثاني الذي يخدم “إسرائيل” في اختراقها للساحة اللبنانية، أن هناك فئة لبنانية، لا تنظر إلى “إسرائيل” عدواً يشكل خطراً وجودياً على لبنان، وإن كانت في تصريحاتها ومواقفها العلنية لا تجاهر بذلك، فهناك بيئة مناهضة لفكرة العروبة والانتماء القومي، رسخت في عقول أجيال وعلى مدى العقود المنصرمة ثقافة تقوم على أن لبنان لا علاقة له بالصراع، وأن “إسرائيل” لا تعتدي على لبنان إذا لم يتم الاعتداء عليها، وهي تفضل حياد لبنان في الصراع، أي فصله عن بيئته القومية، ولم يكن لدى بعض أطراف هذه الفئة أي رادع في التعامل مع “إسرائيل” بل والعمل في خدمتها ودعمها إبان غزو لبنان عام ،1982 ثم في إطار ما سمي “جيش لبنان الجنوبي” بعد ذلك .
إن الحرب السرية أو زرع الجواسيس والعملاء ليست جديدة، بل هي قديمة قدم التاريخ، ذلك أن معرفة العدو وإمكاناته وأسراره العسكرية والاقتصادية والعلمية شكلت على الدوام دافعاً للدول المتعارضة أو المتخاصمة كي تتجسس على بعضها، من خلال عمليات اختراق داخلية، وكانت تجد باستمرار من يتعامل معها، ويقوم بالمهمة لأسباب متعددة منها الإغراءات المادية أو الجنسية، أو الايديولوجية، أو لانتفاء الكوابح الوطنية والقومية، بل إن البعض عمل مع قوات الاحتلال كطوابير خامسة إبان الحربين العالميتين .
الحالة اللبنانية، إذن ليست استثناء، لكن المفاجئ هو قدرة العدو على تجنيد هذا العدد الكبير من الجواسيس والعملاء العابرين للطوائف، الأمر الذي يؤشر إلى خلل بنيوي في الثقافة والوعي تجاه العدو وأهدافه ومخاطره .
إن وجود بيئة رخوة إلى هذا الحد، مع انعدام الضوابط والقيم والمناعة الوطنية يؤدي إلى سقوط هذا العدد في براثن العدو .