كلُّ نظرةٍ الى الشعر تكون قاصرةً إذا كانت مكتملةً أو نهائية . وقد آثرتُ هنا استعمال كلمة “نظرة” من دون كلمة “نظرية”، لأن هذه الأخيرة في ذاتها توحي بنوعٍ من الاكتمال، وذلك في كونها مجموعةً من المقاييس والقواعد التي ينظر من خلالها إلى الظاهرة الأدبية، أو إلى النصّ الشعري بخاصة . أما كلمة “نظرة” ففيها قدْرٌ أقلّ من الصرامة والعمومية . والشعر يُفلتُ دائماً من كلِّ تنظيرٍ يسعى إلى تقييده بأيِّ تقعيدٍ أو تحديد، بل إنه يفاجئ النظريات على أنواعها، وغالباً ما يضع النقد بمختلف اتجاهاته في حالةٍ من البلبلة والتخبُّط . عندما يسعى النقد إلى إرساء النظريات والمعايير، يعمل الشعر، في الوقت نفسه، على نسْف هذا المسعى، لأنه بطبيعته ينزع إلى الإفلات من السائد والمألوف، ويبحث دائماً عن المفاجئ والمبتكَر . وانطلاقاً من هذا، سوف أعرض في ما يأتي لنظرتين إلى شعرنا العربي الحديث، هما اليومَ أكثر من غيرهما حضوراً في الساحة الأدبية .
النظرة الأولى تركِّز في الشعر على ما يقوله، أي على فحْواه، محتوياته أو موضوعاته . وهي في أحسن الأحوال تدعو إلى تجديد الشعر بتجديد الأفكار التي يعبِّرُ عنها . هذه النظرة ترى الشعرَ مُنتِجاً لأفكارٍ جديدة، أو مثيراً لقضايا مُلحّةٍ لها حضورٌ في المستوى الاجتماعي . وهذه مهمّةٌ يمكن لغير الشعر أن يضطلع بِها، أي انها ليست خاصةً بالشعر . وهذا جانبٌ من جوانب الضعف التي يمكن أنْ نجدَها في هذه النظرة .
وإذا كان الأخذ بهذه النظرة مظهراً من مظاهر الضعف في معظم الكتابات النقدية العربية المعاصرة، فإن الأكثر خطورةً هو الأخذ بِها لدى كتّاب الشعر أنفسهم . من هنا نعرف كيف دخل نادي الشعر كتّابٌ كثيرون لا يملكون المقوّمات الكافية للكتابة الشعرية، أو بالأحرى للصنعة الشعرية، وإنما دفعهم إلى خوْض التجربة همٌّ فكريٌّ أو سياسيٌّ أو فلسفيٌّ . . أو ما شابه ذلك . ومن الطريف أن بعض هؤلاء حقّقوا حضوراً وشهرةً ملحوظيْن، واهتمّ بِهم النقّاد، لأنهم تطرّقوا إلى هذا الموضوع أو ذاك، أثاروا هذه القضية أو تلك، أتوْا بفكرةٍ من هنا أو هناك . ولو عُدْنا إلى الجيل الأول من شعراء الحداثة، إلى جيل الروّاد، لوجدنا أنّ الظاهرةَ موجودةٌ عندهم، وأنّ معظمهم قد أخذوا بالنظرة القائلة إنّ التغيير في الشعر هو في الدرجة الأولى تغييرٌ فكريّ . ولو راجعنا دواوين هؤلاء الشعراء لوجدنا فيها طغياناً لموضوعاتٍ معيّنة يشتركُ معظمهم في تناولها، كي لا نقول إنهم جميعاً قد تصدّوا لها . ولا نقصد في كلامنا هذا أن الشعراء الروّاد لم يتمايزوا فيما بينهم، فهنالك في أساليب الكتابة الكثير من نقاط الاختلاف التي تجعلنا نُفرّق بين شاعرٍ وآخَر من أمثال السيّاب وعبد الصبور وأدونيس والبياتي ونازك الملائكة وخليل حاوي . . وغيرهم، خصوصاً أنّ بعض هؤلاء عوّلوا كثيراً على التغيير في الشكل، وقرنوه بالتغيير في المحتوى، إلاّ أنّ التشابه لدى معظمهم في التوجّهات الفكرية وفي الموضوعات الشعرية يعكس لديهم شيوعاً للنظرة التي أتيْنا على عرْضها، والتي تنظر إلى الشعر وتحكم عليه من خلال فحواه، وهي نظرةٌ قاصرة، وأكثر ما يَظهر قصورُها في النقد وفي الأحكام التقويمية للنقّاد .
أما النظرة الثانية فتُركِّز في الشعر على صِيَغِه اللغوية، أي على قوّة التعبير ومتانته وسبْكه . وهي في أحسن الأحوال تدعو إلى تجديد الشعر عن طريق التجديد اللغوي، أو بالأحرى عن طريق التلوين أو اللعب في اللغة . وهذه النظرة تبدو لنا قاصرةً هي الأخرى، لأنّ التجديد فيها لا يكون إلاّ ظاهرياً أو سطحياً، لا يكون إلاّ من باب الترف أو العبث، خصوصاً إذا لم يلتفتْ أصحابُ هذه النظرة إلى ضرورة التجديد في ما يقوله الشعر، أي إلى ضرورة الإتيان برؤىً وبمضامينَ جديدة .
الإتقانُ اللغويُّ ضروريٌّ لكلِّ كتابةٍ شعرية، ولكنّ السلامةَ اللغويةَ ليست كافيةً لكتابة الشعر، فاللغويون العرب الكبار لم يكونوا شعراء، وعلى رأسهم ابن جنّي، الذي كان في استطاعته أنْ يوجِّهَ النقد إلى صِيَغٍ لغويةٍ في شعر المتنبي نفسه .
نستطيع القول إنّ النظرتيْن اللتيْن عرضْنا لهما قاصرتان، فالأولى تُركِّز على جانبٍ أو عنصرٍ من عناصر الشعر، لتستهين بالعناصر الأخرى، وكذلك النظرة الثانية . وليس من المجدي أنْ نقول بالجمع بين النظرتيْن . فالنظرُ إلى الشعر ينبغي ألاّ يكون توفيقياً . ونقد الشعر ينبغي عليه ألا ينطلق من افتراضاتٍ أو تصوّراتٍ مُسْبَقة، وإنّما المحكُّ في التطبيق، فالنظرُ إلى الشعر ينبغي أنْ يتغيّرَ ويتطوّرَ في مواكبةٍ دائمةٍ للتغيّر والتطوّر في الشعر نفسه . وحيال النصّ الشعريّ الجديد، ينبغي على النقّاد والدارسين أنْ يبتكروا طُرُقاً جديدةً للنظر والتحليل، لكي يستطيعوا التوصُّلَ إلى أحكامٍ سديدة، تكشف عمّا يقدِّمه ذلك النصّ من إضافةٍ حقيقية .