ربما كان على المخرج ميجويل ليتين أن يركض مع امرأتين على شاطئ البحر، او أن يشعل النار في بيته، او أن يسرق مصرفاً قبل عرض فيلمه الأخير “جزيرة دوسون 10” لكي يضمن قدراً من الرواج بين الإعلاميين والسينمائيين، لكن الرجل محترم وملتزم . كل ما استطاع فعله هو تحقيق فيلم رائع آخر من تلك التي تركت علامات في السينما سابقاً .
لم يسمع العالم الحالي (على الأقل به كثيراً) . وُلد في تشيلي في التاسع من أغسطس/ آب سنة 1942 وبدأ حياته المهنية ممثلاً مسرحياً وتلفزيونياً ثم أخذ يخرج الأفلام الوثائقية الطويلة أولاً ثم الروائية التي حملت أسلوباً واقعياً اختصّت بنوعه (ونوعيّته) الأفلام اللاتينية في النصف الثاني من الستينات وحتى نهاية السبعينات من القرن الماضي . أفلام تدافع عن الشعوب والمبادئ وتوصم بأنها أقصى اليسار حتى حين يكون كل ما تريد قوله هو نقد الدكتاتوريات وإظهار التعاون القائم بين العسكر المحليين والأنظمة الرأسمالية العالمية . كل منهم يستدعي رعاية الآخر . الأول يرتكب المذابح الفاشية والثانية تغمض عينها وتنظر بعيداً .
في الستينات كان هناك وعي اجتماعي وسياسي فريد في الغرب وميجويل ليتين، وعدد آخر من المخرجين النضاليين في امريكا اللاتينية والولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي برزوا معاً كما لو كانوا على موعد .
أعماله تميّزت، ليس فقط بجدارتها السياسية باحثة في حكاياتها عمّا يعكس شرائح المجتمع في الماضي والحاضر، بل بسموّها على صعيد الإخراج . لم تكن خطابية ولا حملت الكاميرا بيد والبندقية بيد أخرى ولا صرخت او تباكت (ولو أن فيلمه “رسائل من ماروسيا” جعل العديد يبكي) بل انجزت الرسالة التي تريد وبوضوح ويسر و-الأهم- بنحو فني مثالي: أسلوب واقعي وشعري يتخطّى المحليّة من دون أن يخسر قضيته .
في العام الماضي أنجز فيلمه الرابع عشر “جزيرة دوسون 10” ويتحدّث عن الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكم الديمقراطي للرئيس ألليندي وما تبع ذلك من زج المثقّفين في السجون (مع قوائم في نهاية الفيلم بعدد الذين قضوا من هذا التعسّف) . المخرج ينقل عن كتاب أحدهم حياة سجن في أحد هذه المعتقلات، لكنه لا يعاملها منفردة بل ينظر الى الجميع كضحايا نظام فاشي أطاح بآخر ديمقراطي واستولى على السُلطة وفي غضون ذلك قتل أكثر من عشرة آلاف شخص كان يمكن لليتين أن يكون واحداً .
ليتين يخرج من دائرة الأبيض والأسود حين يتعامل مع بسطاء الأرض . بعض الجنود والحرّاس كانوا بشراً عاديين يدركون أنهم مجبرون بحكم وظائفهم، أما قلوبهم فكانت مع الحريّة .
م .ر
merci4404@earthlink .net
http://shadowsandphantoms .blogspot .com