هل تهديد الوحدة الوطنية في غير دولة عربية صدفة عابرة؟ أم هو ظاهرة مجتمعية خطيرة لها أسبابها الداخلية والخارجية؟
تتوالى فصول التهديد في الدول العربية دونما وضع استراتيجية عربية للمواجهة، وتبدو جامعة الدول العربية في وضع ضعيف غير قادرة معه على الحراك، واتخاذ مواقف بمستوى المخاطر . هذا على الرغم من المصالحات العربية - العربية هنا وهناك، والتي لم ترتق بعد إلى مرحلة الاستراتيجية الموحدة .
وبدلاً من إغراق المواطن العربي - البائس والمفجوع - ببيانات صادرة عن قمم ثنائية وجماعية، وربما يندرج بيان القمة العربية الآتية بليبيا في هذا الإطار، من الأجدى التركيز على مناقشة بند واحد هو: كيف نصون الوحدة المجتمعية؟
القضية المصيرية التي نحن بصددها ليست مجرد أزمة عابرة أو طارئة، إنها حقيقة اجتماعية وسياسية واقتصادية، ونرجو ألاّ تتحول إلى واقع مستمر بما يحملمن تحديات على مجموعة الدول العربية جميعها .
في اليمن، مشهد مأساوي، تختلط فيه التفسيرات القبلية والطائفية والاجتماعية والسياسية، ناهيك عن العوامل الخارجية الضاغطة، وعندما يبلغ الانقسام مرحلة المواجهة المسلحة كأننا في حرب مواقع، واحتلالات، وتصفيات . . فإن وحدة الوطن تصير مهددة .
وفي العراق، محاولات متكررة لإقامة مؤسسات دولة في موازاة التنسيق مع إدارة الاحتلال، دونما حسم لكثير من القضايا المصيرية: مستقبل الفيدرالية، وسُبل مواجهة الطائفية المستشرية، والدفاع عن حقوق الأقليات، وحماية الثروة الوطنية المادية والبشرية، والنتيجة هي تبديد موارد
العراق بعد انتهاك سيادته، وتهديد وحدته الوطنية .
وفي السودان، حركات انفصالية متوالية جنوباً وشرقاً وغرباً، كأنها مجموعة طفيليات تنمو على جسدٍ مريض هو السودان الموحد في دولته، وكيانه الوطني، وسرعان ما تتبادل هذه الحركات تُهم التخوين والانعزال والارتهان للخارج، في ظل فقر مستشر . في اختصار، أمن السودان مهدد، ومصيره في خطر . وهل يمكن تصور أمن مصري وطني مع تهديد أمن ووحدة السودان؟
وفي مصر، هجوم غير مبّرر، وغير مقبول إنسانياً، على مقام كنسي للأقباط، في الوقت الذي تشهد أرض الكنانة دعوات طائفية غير مسبوقة . هذا بالإضافة إلى تضاؤل مساحات الحريات العامة والخاصة، واضطراب أحوال الناس الخائفين من المستقبل الآتي تحت وطأة الفقر والتهميش الاجتماعي .
وفي لبنان، تسيطر الطائفية على مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية . وعلى رغم المجهودات الواضحة التي يبذلها عدد من المسؤولين لبناء مؤسسات الدولة، يبقى التردّد والخوف المتبادل هو المسيطر، وتصير مواد الدستور الواضحة عرضة للتفسير الخاص والتفسير المضاد في حلقة مفرغة من جدل بيزنطي .
أما الصومال، فإنها دولة مفككة في أوضح التعريفات لواقع قائم، إنها دولة عربية، عضو في جامعة الدول العربية، وباتت مسرحاً للفوضى الدولية، ولعنف الإرهاب من جميع الأنواع والمصادر .
ويمكن الحديث على مأساة فلسطين في داخلها، بين حركاتها السياسية، وهي ترزح تحت احتلال “إسرائيلي” عنصري، وكذلك الحديث عن انقسامات عرقية، وقبلية، وقومية، في غير جهة من الوطن العربي .
الحلقة المفقودة في الردّ على حالات تصدّع الوحدات الوطنية هي فكرة المواطنة، وطالما أن القانون وجهة نظر لا تحترم أحياناً، كيف تُصان والحال هذه حقوق الأفراد والجماعات؟ وكيف يُحفظ أمن المواطنين الذين هم رعايا في وطنهم؟
الحروب الأهلية العربية مشروع تخريبي له عوامله الداخلية قبل الحديث عن الخارج المتدخل، وهو بلا شك مطلب “إسرائيلي” مستمر يوفر على الجيش “الإسرائيلي” خوض حروب كلاسيكية بما تحمله من أعباء ومخاطر على الدولة العبرية .
وعليه، نحن مطالبون بتدبير أمور البيت العربي من داخله بالتزامن مع التنبيه إلى تدخلات القوى الإقليمية والدولية . المواطنة مدخل فكري وثقافي مهم لإحداث متغيرات إيجابية في السياسة والاقتصاد والأمن الشامل . إنها معطى سياسي عالمي، فلماذا نتأخر عن الأخذ به بعدما صار مُلك الإنسانية كلها؟
وزير لبناني