الخليج الثقافي
قفز من الملعب باحثاً عن متفرج سخر منه
إيريك كانتونا "كينغ" كرة القدم آخر تحديث:السبت ,06/02/2010
باريس - بشير البكر:

1/1

على هامش حضوره في مهرجان كان السينمائي لعرض فيلم يشارك فيه، صرّح إيريك كانتونا بجملة أثارت ما أثارته من ارباك ورغبة في الإدراك: “أنا لست رجلا، أنا كانتونا” .


الفرنسيون يحبون جمل وحِكَم إيريك كانتونا، المنحدر من أصول إسبانية وإيطالية، بطريقة ملتبسة . البريطانيون توّجوه ملكا عليهم “كينغ”، بل وهو الشخصية الفرنسية الأقرب إلى نفوسهم .


على الرغم من هذا الحب الفرنسي المشوب بنوع من عدم الفهم (ظل زين الدين زيدان لسنوات عديدة الشخصية المفضلة لدى الفرنسيين، قبل أن يتراجع إلى الدور الثاني خلف لاعب كرة التنس والمغني من أصل كاميروني يانيك نووا، ولم يلتفت الفرنسيون إلى كانتونا)، فإن إيريك كانتونا اللاعب الماهر يمنح الفرنسيين الإحساس بالكبرياء والاعتزاز بالهوية . . .وهم يسترجعونه كل مرة . . . لم ينسوا له أنه، بفضله، كان البريطانيون، المعروف عنهم أنهم لا يكنون مودة للفرنسيين، يقومون بترديد النشيد الوطني الفرنسي “لامارساييز” كلما لامست قدماه كرة القدم في مباراة مع فريقه البريطاني العتيق مانشستر يونايتد . . . ويذهب الفخر الفرنسي مدى أبعد حين ينتخب جمهور مانشستر البريطاني، سنة ،2001 اللاعب الفرنسي لاعب القرن ( العشرين ) في مانشستر . فالفرنسيون، وعلى الأقل، الرسميون لم يقبلوا به لاعبا في المنتخب القومي، بسبب “عدم دبلوماسيته” في تصريحاته ومواقفه . وأضاعت فرنسا فرصة الاستفادة من مواهب شخص نادر في كرة القدم في منتخبها الوطني .


والشخص ممتلئ بالكبرياء والاحساس بالكرامة، أحيانا بشكل مبالغ فيه، وهو ما جعله يقفز مرة من ملعب كرة باحثا عن متفرج كان يسخر منه، ليشبعه ضربا، وهو ما جعله يتعرض لعقوبات تأديبية تمثلت في عمل خيري تطوعي مع الأطفال .


معظم الرياضيين تنتهي حيواتهم تقريبا حين يتقاعدون عن اللعب، ولكن كانتونا يفاجئ الجميع من خلال قدرته على التقمص والتنويع . فقد أسس الفريق الوطني الفرنسي لكرة القدم الشاطئية بمعية أحد إخوته، وهو ما أسهم في تعزيز شعبية هذه الرياضة الفتية التي يتقنها البرازيليون ويتفوقون فيها .


ولئن كان الفرق ليس كبيرا بين الكرتين، كما قد يقول قائل، فإن إيرك كانتونا لم يتوقف عند هذا الحد بل إنه جرب أشكالا فنية متعددة . إلى جانب كرة القدم، التي لا تزال تعتبر فناً صغيراً .


القليلون فقط يعرفون أنه كان يهوى الرسم ولا يزال، وأنه لم يتوقف عن استخدام الريشة حتى حين كان يلامس الكرة ويسجل الأهداف، متسببا في سعادة جمهور يعشق الكرة بجنون . والدليل على أنه يعشق الفن بالفعل، هو أنه جامع لوحات فنية، وفي ملكيته لوحات عديدة لبيير أمبروجياني وأنطوان فيراري وأوغست شابود ورونان باروت وداميان ديروبيكس وغيرهم . كما أنه يعشق التصوير ويمارسه ولديه مقتنيات من الصور لكل من سول ليتر وسارة مون وسابين ويس ولوسيان هيرفي وغيرهم .


وبالفعل فقد أنجز إيريك كانتونا، مؤخرا، كتاب بورتريهات “هي، هو والآخرون” لأناس لا يقيمون في مساكن لائقة وذلك لفائدة مؤسسة القس بيير الخيرية .


ومنذ توقفه عن مداعبة الكرة شارك في 11 فيلما، منذ سنة 1995 إلى الآن، من فيلم “السعادة وجد في المرج” للمخرج إتيان شاتيليي 1995 إلى “معا، فائض عن اللزوم” للمخرجة ليا فازير والذي سيرى النور في 17 شباط الجاري . ولعل من أهم أفلامه مشاركته في فيلم (شبه أوتوبيوغرافي) من إخراج كين لوتش، الذي يعتبر الأب الروحي للسينما الانجليزية الجديدة، ما منحه شهرة إضافية وجعله يصعد مدرجات “كان” السينمائية، مثل كبار النجوم .


وإذا كان ما من عظيم إلا وخلفه امرأة، كما يقال، فإن بعض الفضل يعود إلى زوجته، الفنانة المسرحية الجزائرية المقتدرة، رشيدة براكني ولهما ولد اسمه امير . والتي يقول عنها في لمسة من الحنان والصدق: لو كنتُ امرأة فنانة كنت سأفضلُ أن أكون رشيدة براكني .


رشيدة براكني شدت الأنظار إليها بسبب دراستها للتمثيل المسرحي في كونسرفاتوار العاصمة الفرنسية . ونجحت، حين خسرت كثيرات، في إيجاد مكان لها في مسرح “الكوميدي فرانسيز” العريقة . وقد نالت براكني العديد من الجوائز من بينها جائزة “موليير” التي تمنح للاكتشاف المسرحي وجائزة جان جاك غوتييه للمواهب الشابة . ولعل هذه الفنانة العربية كان عليها أن تشتغل أكثر من الآخرين حتى تصل إلى المكانة والاعتراف اللذين تعرفهما الآن .


وإذا كان إيريك كانتونا بعد أن جرب السينما يستعد مؤخراً لصعود الخشبة في مسرح مارينيي، فإن زوجته رشيدة براكني ليست غريبة عن الأمر . فهي التي ستقوم بإخراج المسرحية “في مواجهة الفردوس”، وتدير كانتونا، الذي يعترف أنها “أصرت على أن تكون أول من يدير كانتونا، مسرحيا” . ولعل حنكتها تكون عاملا على منح الثقة لكانتونا، الذي لا يبدي أي خوف وقلق من الإقدام على هذه المغامرة . “هدفي، وأنا صغير، كان يتمثل في تمثيل مسرحية أمام 80 ألفا من المتفرجين وقد قمت بالأمر، فما بالك بقاعة تسع 400 مقعد، إذا لم نضع أنفسنا موضع الخطر فلا يمكننا أن نعرف أنفسنا . .” ويضيف: “أناس يصفرون ويصرخون ويقذفون بالطماطم، عرفت هذا . إنه فقط ملعب آخر . وسأظل طفلا” .


كانتونا الذي يصر على أنه: “أن تكون فرنسيا فهذا معناه أن تكون ثوريا”، لا يجد حرجا في التصريح بمواقفه وآرائه السياسية، كما يفعل اللاعب من أصول مارتينيكية ليليان تورام، خلافا للكثيرين ومن بينهم اللاعب زين الدين زيدان، الذين لم يعرف عنه اتخاذ موقف سياسي كبير . وهو ما جعل الكاتب الفرنسي الكبير مارك إدوارد ناب يكرس لزين الدين زيدان كرّاسا هجائيا قاسيا، يفضح فيه انتهازيته وتخليه عن أصوله ومواطنيه، بل وشعوره بالنقص بسبب هذه الأصول .


ومثل الكثيرين من الذين أصيبوا بالغثيان من النقاش الدائر حول “الهوية الوطنية”، يقول إيريك كانتونا رأيه في النقاش الحالي: “أن تكون فرنسيا ليس معناه أن تنشد النشيد الوطني ولا أن تقرأ رسالة غي موكي، ولكن قبل أي شيء أن تكون ثوريا في مواجهة نظام يرغم الناس على العيش في الشارع” .


إن المسؤولين السياسيين قذفوا بهذا النقاش السياسي قبل الانتخابات، والجميع على وعي بالموضوع . لنتوقف عن التحدث عن هذه الأشياء، ولنتكلم عن مواضيع أكثر جدية وأكثر خطورة .


وأضاف شارحا غرضه من كتاب بورتريهاته، بالأبيض والأسود، عن البؤس: “من غير المقبول أن يحدث الأمر في بلد غني كفرنسا” . كما أن الغرض أيضا من الكتاب ليس هو السقوط في خطاب بؤس واستجداء بل هو “إبراز أن هؤلاء الضحايا جميلون ولا يستسلمون” .


ويسترسل في شرح طريقته في التصوير: “الأسود والابيض هو خياري . لدي ثيمات في التصوير . بدأت بالتجريد، ثم أنجزت عملا عن مصارعة الثيران . وفي ما يخص هذا العمل فقد فرض عليّ الأسود والأبيض نفسه” .


وبلمسة تقدير وحنان على الذين قبلوا أن يصورهم، يقول: “أعرف أن هؤلاء الناس جميلون . أرى هذا الجمال في أعينهم . وهذه الصور هي تحديدا ما كنت أريد أن أفعل” .


ويذهب كانتونا بعيدا في شرح فلسفة التصوير لديه: “أريد أن أرى في الصورة الشعور الذي يتملكني حين ألتقطها، حتى أكون بصفة مستمرة في الانفعال، وأترك عيني مفتوحتين على العالم، ثم أحس، بصفة جد أنانية، أنني لا أزال حيا” .


الحقيقة أن إيريك كانتونا خلق بالفعل شخصية أسطورية عن نفسه، فحتى تصريحاته تذهب أمثالا . . . تصدم بغرابتها ولكن بنكهة شعرية وشاعرية لا نجدها إلا عنده، ويتم تكرارها وتنتقل إلى عالم النيت الشاسع فتحدث تأثيرا يفوق الغرض الذي من أجله تفوه بها صاحبها . وهذه عيّنات من هذه الحِكَم الكانتونية: “أنا لا ألعب ضد فريق بعينه، بل ألعب كي أحارب فكرة الخسارة” . و”حين يتحدث عنك الناس فمعناه أنك موجود” أو مثل هذه: “الحياة دائما بالغة القسوة، كل ما نستطيع فعله يتمثل في تمرير الكرة وترك الشمس تسطع . على أمل أن تسطع على كل الناس” .


وعن نفسه كفنان يُعرّفه: “الفنان هو الذي يمتلك موهبة إضاءة الغرفة السوداء” .


“حين لا نعرف شيئا، نُصاب بالخوف” .


“كل كائن مختلف، خارج عن النموذج يعتبر مجنونا” .


“الكرة مثل المرأة تعشق المداعبة” . . .


“وحدها في لحظة المغادرة نكتشف مقدار التعلق بمكان ما وبمنزل ما وبأسرة ما . . .” .


“البريطانيون اخترعوا كرة القدم والفرنسيون نظّموها والإيطاليون مسرحوها”


“حين تتبع النوارس قارب صيد فلأنها تعتقد أنه سيقذف بأسماك السردين في البحر” .


إذاً يستعد هذا اللاعب السابق مواجهة جمهور مختلف . هذا الفنان المتعود على تنويع جمهوره . سيكون على الخشبة وحيدا إلى جانب لورانت دوتش، وهو يصر على القول إنه يعرف جيدا حيث يتجه . وهو ربما إقناع نفسي، لا بد منه، حتى ينتصر على قلق المسرح .


الكثيرون يرونه خيميائيا بالفعل، أي قادرا على تحويل كل الصعوبات إلى نجاحات . . ولعل أولى هؤلاء زوجته، رشيدة براكني، التي ستضبط توحشه واندفاعه وفق إيقاعات تنسجم مع المطلوب منه مسرحيا .


هو مقتنع بحسن طالعه، ولعل في الأمر ما يساعد على النجاح، ولأنها أول تجربة مسرحية يخوضها الرجل فسيكون الجمهور أكثر رحمة وأقل تشددا . . . في انتظار مسرحيات آُخَر وفي انتظار تجارب أُخَر وفي انتظار حِكَم وشوارد ولُمَع تنضاف إلى كتابه الكبير المفتوح على مصراعيه .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008