تفترق “عقيدة أوباما” التي صيغت في استراتيجية جديدة أعلنت قبل يومين، عن “عقيدة بوش” التي صاغها المحافظون الجدد وأخذت إدارته بها، بأمرين أساسيين، الأول فصلها بين الإرهاب والإسلام، والثاني تخليها عن الحروب الاستباقية والمنفردة .
فخلال ثماني سنوات من ولاية جورج بوش، لجأت الولايات المتحدة إلى استخدام قوتها الباطشة وعمدت إلى غزو واحتلال بلدين مسلمين هما أفغانستان والعراق، وبررت ذلك بما أسمته الحرب على الإرهاب تارة وأسلحة الدمار الشامل تارة أخرى، مستخدمة في تبريراتها مختلف الأضاليل والأكاذيب، كما أطلقت شرارة العداء للإسلام والمسلمين تحت شعار “الحرب الصليبية” التي أشعل جذوتها الرئيس بوش نفسه . كذلك عمدت إدارته إلى إحياء مشاريع ذات طابع استعماري مثل “الشرق الأوسط الكبير” و”الشرق الأوسط الأكبر”، واستنت مصطلح “الفوضى البناءة” لإثارة الحروب والفتن الطائفية والمذهبية بهدف تمزيق وحدة الدول العربية وإعادة رسم خارطة المنطقة بما يخدم مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني، من دون أن نسقط من الحساب أن احتلال العراق كان من أهم أهدافه الاستحواذ على ثروته النفطية وإسقاطه من معادلة الصراع العربي الصهيوني .
إذن، عقيدة أوباما أسقطت هذين الأمرين: ربط الإرهاب بالإسلام، والمبادرة إلى الحروب الاستباقية، لكنها في الوقت نفسه أكدت على المضي قدماً في “التفوق العسكري التقليدي” ما يعني أن القوة الأمريكية المتفوقة جاهزة للعمل عند الضرورة لتحقيق المصالح الأمريكية .
والواقع يؤكد أن عقيدة أوباما التي يجري العمل بها تختلف في الوسيلة مع عقيدة بوش، وفي طريقة مقاربتها للقضايا الدولية، لكنها من حيث المضمون والأهداف تلتقي معها، وخصوصاً في مسألتي الحرب في أفغانستان والعراق، ففي الأولى فإن الحرب تتسع وتزداد ضراوة، وفي الثانية فإن الانسحاب الجزئي لا يعني أن العراق سيصير حراً، إنما سيبقى تحت الاحتلال الذي سيتوارى في القواعد العسكرية وإن بأعداد أقل، كما أن عين الاحتلال ستظل تراقب آبار النفط وتحميها .
“عقيدة أوباما” تسعى إلى تجميل وجه الولايات المتحدة، وإزالة ما علق به من قبائح وأوساخ، وتقديمه إلى العالم ب”نيولوك”، وهي وإن كانت تسعى إلى ذلك بحسن نية، إلا أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي، لأن استبدال القفاز الحديدي بقفاز حريري، قد يكون تكتيكاً يحقق الهدف الاستراتيجي بوسائل ناعمة .