ما بين حين وآخر، أعيد قراءة ما سبق لي أن قرأتُ من كتب . وليس بالضرورة أن تكون هي القراءة الثانية فقط، فربما كانت الثالثة أو الرابعة، أو ما لا أدري . المهم بالنسبة لي، شغف العودة إلى كتب أعرف سلفاً، أنني لم أشبع رغبتي الملحة بامتلاك ما اكتنزت عليه، بمجرد قراءتي السابقة لها . وقد أكتشفُ في سياق هذا الشغف، أن كتباً بعينها، قد خططتُ على أطراف صفحاتها، عشرات الملاحظات المتنوعة، بأقلام الرصاص الجاهزة دائماً تحت يدي، والمنسيّ بعضها بين طيات أكثر من كتاب . وثمة، تحملني تلك الملاحظات إلى إعادة قراءتها هي ذاتها أيضاً، كأنني لست كاتبها أصلاً، فتثير بي مزيداً من الشغف لأفهم ما كان حالي عليه عند القراءة الأولى أو الثانية للكتاب، وحالي الآن، مع القراءة الجديدة له، والتي لا بد لها هي الأخرى من أن تضيف من عندها، ما تراه من ملاحظات جديدة تحبّر ما بقي من مساحات بيضاء في أطراف صفحاته .
قد تختلف الملاحظات الجديدة عن القديمة، اختلافاً بسيطاً لا يتجاوز القليل من مؤشرات مفاهيمي الفنية أو العلمية التي تطورت مع السنين . وقد تكون على النقيض تماماً من بعضها، لأقف حائراً أنا نفسي، بين ما كنت عليه، وما صرت إليه . كيف يعقل هذا التناقض الذاتي؟ أم أنه المعقول اللازم بالضرورة، في معنى التغير المستمر، وإلا فإنه الموت؟ كأنني انتقلتُ بقراءة سابقة إلى لاحقة، من جيل سابق إلى لاحق؟
ولأن من عادتي (الحسنة أو السيئة) أن أقرأ في عدة كتب دفعة واحدة، لمؤلفين مختلفين بمواضيع شتى، لا يجمع بينها جامع، سوى ما تحققه قراءتي لها، فإن حيرتي في القراءة المعادة، تمسي مضاعفة بعدد الكتب ذات الدفعة الواحدة . ولكنها حيرة ممتعة، تشعل إرادة التفكير المتجدد، بقدر ما تستفز الذائقة الجمالية أمام هذا التنوع المتصارع .
في مرات نادرة، أحاول أن أقرأ في كتاب واحد حتى أخلص منه، ثم أنتقل إلى ثان . وهكذا دواليك، برويّة وهدوء . غير أنني أفشل في كل محاولة . وأجد ذلك الهدوء وتلك الرويّة، قاتلين متوحشين لذهني الملسوع بجمر التمرد ضد أي “مفرد بصيغة الجمع” ولا شأن للشاعر الكبير أدونيس في شأني هذا، رغم استعارتي فيه لعنوان ديوانه . هل يعني ذلك، فشلي في البقاء، ولو لليلة واحدة، مع كتاب واحد، وموضوع واحد، ومؤلف واحد؟ المعنى الأصح، في هذه المرات النادرة، فشلي في الوصول إلى القراءة التي أريدها وفق رغبتي، قراءة قادرة على سلسلة من التحديات التي تفرضها عليها مجموعة من العقول، في آن .
من الكتب التي أعيد قراءتها هذه الأيام، وهي كثيرة، أتوقف عند ثلاثة منها . كتاب “الحروب الصليبية كما رآها العرب” لأمين معلوف، منشورات دار الفارابي- بيروت، طبعة أولى ،1989 وكتاب “الثقافة والعولمة” تأليف د . جون توملينسون، وترجمة د . إيهاب عبد الحيم محمد عالم المعرفة، الكويت ،2008 وكتاب “كنديد” الصادر عن دار المعارف المصرية ،1955 لفولتير، ترجمة عادل زعيتر .
أنقل من خاتمة كتاب “الحروب الصليبية”: “ . . وفي حين كان عهد الحروب الصليبية شرارة ثورة حقيقية، اقتصادية وثقافية معاً، بالنسبة إلى أوروبا الغربية، فإن هذه الحروب المقدسة ستفضي في الشرق إلى عصور طويلة من الانحطاط والظلامية . فالعالم الإسلامي المطوق من كل صوب، انغلق على نفسه، وأصبح يرتعش برداً لكل نسمة وهو يحاول الدفاع عن نفسه، وانعدم فيه التسامح، وغَدا عقيماً . . في الوقت الذي تتتابع فيه دورة الكوكب التطورية التي يشعر إزاءها بأنه على الهامش . وبات التقدم هو الطرف الآخر، والحداثة هي الطرف الآخر . أفكان عليه تثبيت هويته الثقافية والدينية برفض هذه الحداثة التي يمثلها الغرب؟ أم كان عليه بالعكس من ذلك، السير بعزم على درب الحداثة مخاطرا بفقد هويته؟” .
وأنقل لكم ما خططته بقلم الرصاص على هامش هذه الفقرة: “وهل فقدَ الغربُ هويته الثقافية وهو يحقق التقدم والحداثة في مسيرته التطورية؟ على العكس، إن تغذية الهوية الثقافية الأوروبية هو ما عزز قدرة شعوب أوروبا على التقدم والحداثة . لماذا بالتالي، يُطرح أمام الشعوب العربية مثلاً، إمكانية وربما حتمية، فقدانها لهويتها الثقافية التي هي قوميتها العربية، لتسير على درب التقدم والحداثة؟” .
لم أكتب في ذلك الهامش، أن الظلامية المتفشية، هي التي تخنق العرب والمسلمين، وتدفع بهم في المحصلة إلى فقدان كل شيء . وقد أضفتها في القراءة الثانية أو الثالثة، في المساحة الصغيرة المتبقية من بياض الهامش .
ولعل في كتاب “العولمة والثقافة” ما يغري بعدة قراءات، وهو يشتمل على الرؤية الأوروبية الطالعة بطبيعة الحال، من رحم الحروب الصليبية ذاتها . حروب متجددة بمسمى “العولمة” على امتداد القارات، في هذا العصر، وبخاصة في قلب “القارة” الأصولية؟ يجوز . رغم أن قراءة أخرى، قد ترفض هذا الجائز، أو تكرر القبول به .
أما كتاب “كنديد” فإنه البحر الأوسع لكل مغامرات القراءة المتكررة والمتجددة، طالما أنه هو المتمكن منذ ثلاثة قرون، وإلى حينه، وما بعد حينه، من تفجير السخرية الإبداعية في وجوه الجميع، من أهل التقدم والحداثة، إلى أهل الأصولية، سيان .