داوود أوغلو، وزير الخارجية التركي، هو ثالث شخصية عالمية تتهم الرئيس الأمريكي أوباما بـ”الضعف” .قبله كان الرئيس الفرنسي ساركوزي يخرج من اجتماع مع أوباما ليقول إنه لم يجد سمة واحدة تدل على أنه سياسي قوي . وقبل ساركوزي وداوود أوغلو، كان بريجنسكي يعرب عن خيبة أمله من أداء أوباما في سنته الأولى ، ويحضّه على الانتقال من موقع الخطيب المفوّه إلى موقع رجل الدولة الذي يفرض وجوده .
هل هؤلاء السياسيون الثلاثة على حق في اتهاماتهم ؟ ألا تتضمن هذه الاتهامات بعض الظلم؟
حسناً . ربما مسألة الظلم واردة بالفعل، حين نتذكّر أمرين اثنين:
الأول، أن أوباما ولج إلى البيت الأبيض فيما كانت أمريكا تتأرجح على شفير ماكاد أن يكون أسوأ أزمة اقتصادية- مالية خلال نصف قرن . ولذا، كان مضطراً أن يكرّس جل جهوده للقضايا المحلية، وألا يعطي السياسة الخارجية سوى بعض “الوقت المُقتطع” .
والثاني، أن رئاسة أوباما ترافقت مع تطور خطير كان لا يني يتفاقم منذ عهد ريغان، وهو النفوذ القوي للغاية الذي باتت تمتلكه مختلف اللوبيات (قوى الضغط) على السياسة الخارجية .
في السابق، كان هذا النفوذ موجوداً بالطبع، لكنه اقتصر على قيام الكونجرس بعرقلة بعض قرارات أو توجهات الإدارة . لكن الآن أصبحت اللوبيات تفرض السياسة الخارجية التي تريد . والنماذج عديدة: من قرار اعتبار الأرمن الذين سقطوا في اضطرابات العام 1915 ضحايا إبادة جماعية”، إلى إصدار تشريع بفرض عقوبات على إيران، ومواصلة العقوبات على سوريا، وصولاً إلى اعتبار حماس وحزب الله منظمتين إرهابيتين .
في كل حالة من هذه الحالات، كان الكونجرس يخدم مصالح أجنبية أو حتى مُضرّة بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية . وفي كل حالة، كانت الإدارة تقف عاجزة، أساساً لأن غالبية الشعب الأمريكي تفتقد إلى ألف باء المعرفة الجغرافية والسياسية، ولاتعرف أين تقع أفغانستان وباكستان وحتى العراق( حيث يقاتل أبناؤهم) على الخريطة .
أوباما يدفع الآن ثمن تراجع سلطة الإدارة وتقدّم سلطة اللوبيات . وهذا الأمر يزداد خطورة حين نتذكّر أن هذه اللوبيات لها وجود قوي للغاية داخل البيت الأبيض، وفي البنتاغون ومجلس الأمن القومي .
هذان المعطيان، أي الأزمة الاقتصادية وقوة اللوبيات، يشجعان على إصدار حكم تخفيفي على أوباما، خاصة وأنه (في المقابل) نجح في السنة الأولى في تقديم صورة لأمريكا على أنها قوة عظمى متواضعة ومستعدة للتأقلم مع متغيرات القرن الحادي والعشرين .
لكن، حتى لو كنا نحن على استعداد للتسامح مع أوباما، فإن التاريخ قد لايبدي هذا القدر من التسامح . وهذا لسبب خطير: مالم يتحوّل أوباما إلى رجل دولة ويوفّر حلولاً لمشاكل فلسطين وإيران وأفغانستان، فإن أمريكا ستخسر بالفعل زعامتها العالمية وسيكون هو المسؤول الأول عن ذلك .
بكلمات أوضح: تحوّل أوباما من “الأمل إلى الشجاعة” (وفق تعبير بريجنسكي) ليس خياراً بل هو واجب و”فرض عين”، لأن بديله سيكون كارثياً عليه وعلى أمريكا معاً .
أمام أوباما بضعة أشهر الآن لإثبات وجوده . لكن، إذا ما تبيّن أن هذه الأشهر ستكون كشقيقاتها السابقات، فستثبت عليه بالفعل تهمة الثلاثي داوود أوغلو- ساركوزي- بريجنسكي بأنه رئيس ضعيف .
وحينها، حتى الأحكام التخفيفية لن يكون لها معنى ولا مبرر .
saad-mehio@hotmail .com