رأي ودراسات

البحـــث

    
من دروس الاشتباك بين حزب الله و" الأحباش" آخر تحديث:الثلاثاء ,31/08/2010

غسان العزي

ما جرى ليل الثلاثاء في 24 أغسطس/آب الماضي في بيروت خَطِر للغاية، رغم أن الاشتباك الذي حصل بين مسلحين من حزب الله و”جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية” التي يعرف  أعضاؤها ب” الأحباش” كانت أسبابه فردية وليست سياسية، كما أجمعت قيادتا الطرفين واللتان، بالمناسبة، أبدتا كل تعاون ممكن مع السلطات الرسمية لجهة القيام بتحقيق جدي ورفع الغطاء عمن تثبت مسؤوليتهم عن الحادث .


خطورة الأمر أن الاشتباك، الذي استخدمت فيه الرشاشات وقاذفات ال “آر .بي .جي”، أودي في دقائق معدودة بأربع ضحايا منهم مسؤول في حزب الله ومساعده وآخر في جمعية المشاريع عدا عشرين جريحاً وأضراراً كبيرة في الممتلكات . وما يدعو إلى المزيد من الأسف والمرارة أن الأجواء الدينية الرمضانية لم تقف حائلاً دون استخدام السلاح للتقاتل بين تنظيمين دينيين مسلمين، والأكثر من ذلك حليفين في السياسة والاستراتيجية .


لقد وقع الحادث قبيل مدفع الإفطار وامتد إلى فترة السحور مروراً بما بين آذان المغرب وآذان الفجر من صلوات وتراويح وأجواء خشوع وتعبد في هذا الشهر الفضيل . وخلال الاشتباكات كان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله يلقي خطبة رمضانية ينتظرها اللبنانيون الذين يترقبون بإهتمام شديد ما يعلنه الحزب من مواقف في هذه الفترة الحرجة من تاريخ بلدهم . لم يتسن للسيد نصر الله التعليق على الحادث لكن الحزب أعلن لاحقاً أن ثمة رسالة وصلته وسيدرسها بإمعان .


ومن المعروف أن لبنان يعيش منذ أشهر على وقع مخاوف جدية من هجوم “إسرائيلي” مفاجئ على خلفية صدور قرار ظني عن التحقيق الدولي قد يتهم عناصر من حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري .


وعندما يستبعد المحللون مثل هذا الهجوم في الوقت الحاضر فإنهم يستحضرون سيناريو فتنة مذهبية توفر على الجيش “الإسرائيلي” بذل التضحيات البشرية والمادية . لكن تجربة السابع من مايو/أيار 2008 تذهب في غير اتجاه مثل هذا السيناريو . وقتها تمكن حزب الله وأنصاره من بعض الأحزاب الاخرى من السيطرة على بيروت في غضون ساعات قليلة قبل أن يسلموا الأمر للجيش اللبناني الشرعي . تبين وقتها أن الطرف المقابل أي تيار المستقبل وحركة الرابع عشر من مارس/آذار لا يملكون لا السلاح ولا الرغبة أو القدرة على القتال . ما حصل برهن بالتجربة على أن الحرب الأهلية غير ممكنة وذلك لغياب طرف يقف في وجه الطرف الذي يحمل السلاح . والحرب تقوم عادة بين طرفين يملكان السلاح ويرغبان باستخدامه سعياً وراء مكاسب سياسية وغيرها . حزب الله الذي يملك السلاح لايرغب في استخدامه في الداخل ولا مصلحة له على الإطلاق في مثل هذا الاستخدام . وبالتالي فإن سيناريو الفتنة المذهبية في لبنان يبقى مستبعداً أقله في الأفق المنظور .


هذا المنطق يقف على أساس صلب لا سيما إذا أضفنا إليه المساعي العربية للمحافظة على التهدئة القائمة في لبنان في وجه “إسرائيل” التي تستخدم كل الوسائل، كما يدل هذا العدد الكبير من العملاء وشبكات التجسس التي زرعتها في لبنان، من أجل إشعال نار حرب أهلية توفر عليها إرسال جيشها إلى حرب غير مضمونة النتائج والعواقب . لكن يبدو أن لهذه العملة وجه أقل تفاؤلاً كشفت عنه الاشتباكات المفاجئة بين حزب الله و”الأحباش” . هؤلاء الأخيرون لا يشكلون فريقاً سياسياً أو عسكرياً أساسياً في المعادلة اللبنانية وليس معروفاً عنهم أنهم يملكون السلاح، ناهيك عن أنهم يتبعون للمرجعية السورية، وقد اتهم بعض قيادييهم من قبل التحقيق الدولي، مثل الأخوين عبد العال، بالمشاركة في عملية اغتيال الرئيس الحريري . وباختصار شديد فإنهم ينتمون إلى معسكر حلفاء حزب الله من السنة  المتضررين من صعود تيار المستقبل علاوة على أنهم على غير وفاق مع دار الافتاء التي يختلفون معها في الممارسة والعقيدة . ويكاد يقتصر نشاطهم  على التدريس الديني والدعوة واقامة المشاريع  الخيرية  رغم حضورهم في المعارك الانتخابية الاشتراعية . وكان لهم نائب في البرلمان أيام الوجود العسكري السوري في لبنان ومن بعدها تراجعت شعبيتهم بشكل ملحوظ . ومن دون الخوض في تحليل لهذا التنظيم وعقيدته وأهدافه إلا أنه من المؤكد أن آخر ما كان يفكر فيه المحللون هو ان يحمل أتباعه السلاح، وأن يحملوه في وجه من؟ حليفهم في السياسة حزب الله . وهذه المفاجأة تحمل قدراً كبيراً جداً من الخطورة وتدل على أن الكارثة تختبئ حيث يصعب توقعها .


أكثر من ذلك تقول المعلومات أن بعض المقاتلين من الطرفين أغلقوا هواتفهم الخليوية كي لا يتعرضوا لضغوط من قياداتهم وأوامر بالانسحاب أو عدم إطلاق النار، وهذا يعني أنه حين تنشب الفتنة لن تكون القيادات قادرة بالضرورة على ضبط عناصرها . وتجربة العراق حاضرة في هذا المجال فرغم  كل فتاوى المرجعيات الدينية العليا بتحريم قتل المسلم للمسلم تستمر العمليات الانتحارية ولا ندري من يرسل هؤلاء الانتحاريين للموت وقتل إخوانهم المسلمين وماذا يقولون لهم بالضبط لإقناعهم بالانتحار وقتل الأبرياء؟


والمشكلة التي بدأت فردية حول خلاف على موقف سيارة امتدت كالنار في الهشيم لتشمل عدداً من الاحياء البيروتية الآمنة التي تحولت شوارعها إلى ساحات حرب حقيقية تذكر بالحرب الاهلية حيث كان الاقتتال اليومي بين ابناء الصف الواحد يبدأ من خلاف فردي لينتهي معارك تودي بالعشرات . وفي حروب الشوارع هذه ليس من قوي وضعيف لأن نفراً قليلاً من المسلحين يبقى قادراً على اشعال عاصمة بأكملها ولو وقفت في وجهه كل جيوش الدنيا . وإلا كيف يجرؤ تنظيم صغير، مثل  الأحباش، على الوقوف في وجه حزب الله؟


هل ما حصل في بيروت نذير لما قد يحصل مستقبلاً؟ أو تجربة مصغرة عن الفتنة الآتية؟ أو البرهان على أن المشاعر المذهبية أقوى من التحالفات السياسية؟ إنه الدليل على أن ثمة احتقاناً مذهبياً يحتل النفوس الضعيفة وإن ثمة إمكانية حقيقية لترجمة هذا الاحتقان بطريقة عنفية وأخرى . لقد قيل إن طرفاً ثالثاً كان وراء ما جرى وربما تدل التحقيقات عليه . والكلام عن الطرف الثالث أو الطابور الخامس كان حاضراً على الدوام خلال الحروب اللبنانية المتعاقبة . وبالتالي فهو لا يعفي المتحاربين من مسؤولياتهم، بل على العكس يزيد من هذه المسؤوليات .


في انتظار التطورات الإقليمية وصدور القرار الظني عن المحكمة الدولية ينبغي تقويم ما جرى وتحويله إلى درس في كيفية تحصين البلد من فتنة لا يعرف أحد كيف ومن أين تبدأ وإذا ما حصلت لاسمح الله فإنها قد تحرق الأخضر واليابس داخل الحدود اللبنانية قبل أن تمتد بعيداً خارجها .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

06/02/2012
حول الموقف الروسي من الأزمة السورية

28/01/2012
ماذا بعد فوز الإسلاميين في مصر؟

21/01/2012
عام على "المعجزة" التونسية

06/01/2012
2011 عام الكرامة الانسانية

31/12/2011
تركيا والانتخابات الفرنسية

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008