المهموم بالشأن الثقافي يلاحظ أن السنوات القليلة الماضية شهدت مئات الحوارات والكتب والدراسات البحثية حول الأزمات العاصفة التي تمر بها الثقافة في العالم بأكمله بدءاً من رؤى تطالب باستبدال مصطلح الثقافة نفسه بأي مصطلح آخر يعبر عن المنتج الإبداعي والفكري ل “المثقفين” وانتهاء بمقولات تخصص الأزمة وتقصرها على حقل ثقافي بعينه: أزمة المسرح، أزمة القصة القصيرة . . إلخ
إذا انتقلنا إلى وطننا العربي سنلاحظ مرة أخرى أن “حديث الأزمات” كما نستنسخه في ساحتنا الثقافية يركز الأزمة ويعيد تدويرها بأشكال مختلفة بالتطبيق على فضاءات الثقافة العربية المختلفة، الأزمة في هذه الحالة تصبح أشد وقعاً والأهم من ذلك أن محاولات الخروج منها تبدو عسيرة إن لم تكن مستحيلة .
في تحقيقنا لهذا العدد من “الخليج الثقافي” طرحنا أزمة الكتابة المسرحية في الإمارات للنقاش وأكدت معظم الآراء المشاركة وجود هذه الأزمة، البعض أرجع أسبابها إلى قضية عدم تفرغ الفنان، ورأى آخرون أن غياب الورش المتخصصة والدورات التدريبية الخاصة بهذه المسألة هو المنتج الطبيعي لأزمة النص المسرحي ليس في الإمارات فحسب وأنما في الوطن العربي ونضيف من عندنا والعالم أيضاً .
أستوقفني في عددنا أيضاً ندوة مركز الخليج للدراسات عن واقع وطموحات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، تأملت في فكرة طرحها الزميل والشاعر حبيب الصايغ رئيس الاتحاد مؤداها ضرورة ألا يقتصر دور المثقف /المبدع/ الكاتب على الإبداع وحسب وإنما الامتداد بهذا الدور للمشاركة في مشكلات وقضايا المجتمع المختلفة الأمر الذي يشير إلى ضرورة أن يشارك المثقف بفاعلية في المجتمع .
توقفت مرة ثالثة مع تغطية خبرية نشرتها الصفحة الثقافية في جريدة “الخليج” لندوة عُقدت مؤخراً في معرض القاهرة الدولي للكتاب ودارت وقائعها حول الموقف من الحملة الفرنسية على مصر ذلك الموقف الإنشطاري الأساسي في ثقافتنا المعاصرة حول جدلية الحداثة والإمبريالية وكل تفريعاتها ونتائجها التي قتلناها بحثاً .
خصصت مجلة النيوزويك الأمريكية في أحد أعداد الشهر الماضي ما يشبه الملف لرصد تراجعات المثقفين العرب، أوردت عشرات الأسماء من شتى التيارات الفكرية التي انتقلت من موقف إلى آخر والأهم من ذلك أن الملف أكد تاريخية الظاهرة بمعنى أنها لا تتعلق بالمثقف العربي المعاصر وحسب وإنما تمتد بجذورها إلى التاريخ العربي الإسلامي .
نحن إذن أمام فضاء من الأزمات يمتد ليشمل مفردات “الثقافة” كمنتج إبداعي وحراك مجتمعي ورؤية فكرية وإيديولوجيات ملتزمة، وما ذكرناه سابقاً لم يكن إلا مجرد أمثلة بسيطة، فأزمة المنتج الإبداعي تطول بخلاف المسرح، القصة والشعر والسينما والموسيقا والغناء، والصراع حول الحملة الفرنسية يتضمن منمنمات تعم رؤيتنا الفكرية وتشمل: الهوية، الأنا والآخر، المركز والأطراف . . الخ، أما تراجعات المثقف العربي فتنتمي إلى منطقة رمادية يتداخل فيها الثقافي بالسياسي بطبيعة التكوين الاجتماعي للمثقف العربي المعاصر .
اللافت للنظر في هذا الرصد أننا لا نتحدث عن تنظيرات كبرى وإشكاليات مؤجلة الحل أو نقوم بدراسة بحثية لحقبة ثقافية ما، إننا هنا نتتبع المطروح يومياً في الصحافة الثقافية في فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي يدعم وجهة نظرنا بأن المثقف العربي الآن مولع بحديث الأزمات ولكننا كما بدأنا بالإشارة إلى أزمة الثقافة في العالم ككل يحق لنا السؤال عن تجليات هذه الأزمة في المركز التقليدي “الغرب” .
الصورة لا تختلف كثيراً وأعتقد أن إشكالية الترجمة إلى العربية، وتحديداً في المنتجات الإبداعية، تتعلق بأزمة مماثلة يعيشها الإبداع الغربي، الاسماء المنتجة لإبداع مبهر في العالم كله معدودة على أصابع اليدين ولا يقارن إنتاجها من حيث الكم أو الكيف بحقب سابقة في القرن العشرين، لم نعد نسمع عن مثقف ملتزم كسارتر أو فانون . . الخ في الوقت الحاضر، هل نقول إن حراك المثقف كفرد أو وصفه داخل طبقة طالما تباهى الغرب بوجودها المستقل يحتاج إلى مراجعة من مثقفي الأطراف، انتهت الايديولوجيات الكبرى ومعها بدأت المراجعات “هناك” والتراجعات “هنا”، الأزمة مستحكمة أيضاً “هناك” وقصرها على الآن و”هنا” من باب جلد الذات المزمن الذي أصبحنا نتفرد به بخلاف الثقافات الأخرى .
قراءات عديدة صادرة مؤخراً أصبحت تضع مصطلح الثقافة نفسه على المحك “ثقفنة” العالم الذي قامت به رؤى نيوليبرالية قبل واثناء بعد أحداث سبتمبر/ايلول 2001 وضعت الثقافة في أزمة عاصفة، في كتاب “ما الجمالية؟” طالب مارك جيمنيز باستخدام مصطلح الجمالي كدلالة على كل ما يمت إلى مفهوم الثقافة، وفي كتاب “الثقافة التفسير الانثربولوجي” دعا آدم كوبر إلى إحلال علم الاجتماع كبديل للثقافة . . الخ لقد اصبحت الثقافة مرادفة لكل ماهو هوياتي يقصي الآخر، وحتى فكرة الهوية نفسها كتمييز للأنا وحدودها عن الآخر مطروحة الآن بصورة غير مسبوقة في الثقافة الغربية .
إذن الأزمة واحدة وربما تكون أشد في الغرب، وتضخمها في ثقافتنا العربية نتيجة لعوامل عدة أبرزها غياب فضاء الطرح المغامر والمفارق لكل مقولاتنا المعروفة سواء جاء هذا الطرح من مثقفينا أو استوردناه من المركز الغربي وحتى يحدث ذلك سنعيش في حالة “ممتعة” من مديح الأزمات!