الخليج الثقافي
قصة قصيرة:
ضحيتي الأخيرة آخر تحديث:السبت ,11/04/2009
أحمد ولد إسلم

 


لم تكن لدي القسوة الكافية لأقطع صوتك اللاهث في الهاتف بخبر كهذا، وكنت أنصت بسادية فجة لخرير المشاعر المتدفقة من قلبك كشلال جبلي صافي المعين، فيما أنا في تلك اللحظة تسابقني أناملي الخشنة إلى لوحة المفاتيح لأهدم أساس ذلك الصرح الذي تتفيئين الآن ظله الوارف، وتتأملين باعتزاز كيف استطعت تشييده من الرؤى والأحلام والكلمات الرقيقة، ولم تكوني تدركين أن السنة التي أكملتها في زخرفته تكفي نقرة واحدة على زر “الموافقة” لنسفها.. ما كان يغيب عن ذهني أنك الآن منهمكة في تغليف الهدية التي جمعت ما استطعت من مصروفك طيلة الأشهر الثلاثة الماضية لشرائها، وأنك تحسبين الوقت بالعد العكسي في انتظار الساعة السادسة وأربع وعشرين دقيقة مساء لتسليمها لي.


لكني قدرت أنه حين تصلك رسالتي بفارق ثلاث دقائق قبل ذلك التوقيت سيكون كافياً لإنهاء ما كان لهذا اليوم من دلالة.


فلن تحتفلي بعد اليوم بهذا التاريخ، وستجعلك رسالتيئتنسين إلى الأبد رمزية ذلك المساء الذي كان جميلاً، وكانت شمسه تميل إلى الغروب بتمهل لتمنحنا فرصة التقاط صورة تذكارية، ما زلت أنت تحتفظين بها، أما أنا فقمت بإعادة تهيئة القرص الذي حفظتها عليه بعد ذلك بلحظات.


أعرف أنك لن تكوني قادرة على تصديق أن الرسالة التي لا تتجاوز كلماتها أربع مفرادات “أبلغك قراري إلغاء مشروعنا” ستكون الصوت المزعج الذي يوقظك من حلم كنت تستغرقين في تفاصيله.


ولن تستوعبي كيف استكثرت عليك أن أصيغ الجملة الوقحة بأسلوب أكثر وضوحا، أو أن أورد فيها فعلا للإلغاء، لا أن أجعله مفعولا لمصدر العنجهية المتعالية على مشاعرك.


ولأكون صادقا معك فإني أيضا لا أعرف لمَ اخترت هذه الصياغة، ربما لأن رسالة الهاتف لا تقبل أكثر من سبعين حرفاً، أو أني لا أريد أن أطيل عليك في تفاهات لن تقنعك.


وتتساءلين في نفسك المعذبة كيف لم أشرح لك دوافع هذا القرار الطائش؟


والإجابة أن الأسباب التي اتخذتها جُنة من نظراتك الزائغة لم يكن بينها سبب واحد فيه من الوجاهة ما يكفي لإقناعك.


فكان الأولى عدم إرهاق أعصابك بكلمات يابسة تتكسر عند أول قراءة، كهشيم كذب تذروه رياح المجادلة.


سيكون صادماً لك أن تعرفي أنه في الوقت الذي كنت تنصتين بتمعن نادر لأنفاسي الحارة خلال الليالي التي استنفذت فيها عروض جميع شركات الاتصال، وتعتقدين أن حرارة النفس من حرارة الشوق إليك، أن تلك الأنفاس ليست سوى تنهيدات شفقة عليك، فأنا في ذلك الوقت أكون مشغولاً بعمل آخر، كأن أكون منهمكاً في محاولة يائسة لاختراق أحد المواقع، أو فك شيفرة أحد البرامج، أو أتحدث عبر الانترنت مع شخص آخر.


لم تكوني تتخيلين أن ذلك الصمت المهيب الذي يخيم علي حين يتقطع وكاء مشاعرك فتنفلت بين حناياك متدفقة، وبعد برهة تهمسين باسمي لاختبار مدى تفاعلي مع ما تقولين، وتظنين أن ذلك الصمت ليس سوى تأثر بصدق تعابيرك، فيما هو في الحقيقة سنة تنتابني كلما أوغلت أنت في عالم الجنون والحب، ولا أفيق منها عادة إلا حين تتساءلين، أين أنت؟ فأجيبك معك، والواقع أن كثيرا مما قلت لم أتمكن من سماعه بوضوح.


لن تكون معرفة أي من هذه التفاصيل مهمة الآن، فقد مضى كل ذلك، ولن يعود شريط الحياة إلى الوراء لتحذفي تلك اللحظات من حياتك، وليس أمامنا وقت لإصلاح خللها، وعليك البدء في حياة جديدة، وسأواصل أنا حياتي.


ما أعدك به الآن وسأفي به هذه المرة - على غير عادتي- هو أن تكوني آخر امرأة أكذب عليها.


لن استغل بعد اليوم لحظة ضعف لأمرأة مسكينة لأوقع بها في شباكي الغليظة، لن أتففن في برامج التصميم بعد الآن لأعد لوحة جذابة تكون مدخلا إلى قلب غر، وسأكون بالمرصاد لكل من رأيتها استهواها طعم صنارتي لأصيح بها ابتعدي، ابتعدي، فليس ذلك سوى طعم لصياد سادي يستخرج الأسماك من الماء حتى تفقد الحياة ثم يعيدها إليه، فلا أسرة له يطعهمها ولا هو بحاجة للمال.


أدرك تماماً أنه لا قيمة لهذا الوعد بالنسبة لك، لكنه بالنسبة لي حلم عليّ تحقيقه، وسأعطل دواليب مشاعري الخشنة التي دهست في طريقها عشرات القلوب، من دون أن تكلف نفسها عناء التوقف للتعرف إلى ملامح الضحية، أو أن تبلغ عنها شركة التأمين.


لن أنسى لك هذا الفضل أبدا، فقد جعلتني فجأة أكتشف أنني إنسان، لكنني سأكون إنساناً لغيرك، وسأبدأ من اليوم البحث عن القلب الذي سأمنحه كل المشاعر المتراكمة بدءاً من الضحية الأولى التي كنت أتسلل إلى دفاترها في المدرسة لأكتب عليها بخطي الجميل “أحبك،” فتضربها أمها حين تكتشف ذلك، فيما أكون أنا على مقربة أستمتع بصراخها وهي تقسم بأغلظ الأيمان أنها لا تعرف من كتب العبارة التي لا تستوعب معناها، وصولا إليك أنت أيتها الضحية الأخيرة.


ستكون المرأة القادمة في حياتي محظوظة جداً لأني أشبعت كل غروري، جربت كل الخلطات العاطفية، تعرفت إلى النساء في كل حالاتهن، وتعرفت إلى نفسي أيضاً، لذلك لن يمس سعيدة الحظ القادمة أي لغوب، وربما في الذكرى العاشرة لارتكاب جريمتي هذه أقيم مأدبة في منزلي أدعو إليها كل ضحاياي لأعتذر عما سببته لهن، وأعترف أمامهن حينها بأنك كنت السبب في عدم زيادتهن بمعذبة أخرى، ألا يشرفك ذلك؟!


 قاص موريتاني


Ahmed3112@hotmail.com

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

شكرا جزيلا

cheikh

التاريخ : 19-12-09 | الساعـة 10:30 م

شكرا جزيلا. لقد تمتعنا كثيرا بقرائة هذه القصة الجميلة المعبرة...
ولك كل الشكر ونتمني تكرار التجربة علي الدوام .

 

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008