رأي ودراسات

البحـــث

    
اليوم، غداً
الدراما الإنسانية: لا انتحار ولا "صُوف" آخر تحديث:الخميس ,09/09/2010

سعد محيو

مَنْ مَنّا لم يستفق يوماً من ليل طويل يعج بالكوابيس، ليكتشف أنه يعيش في الواقع حياة يغشى معظم أيامها القلق والخوف والتوتر، وتغيب عنها السعادة إلا لِماماً؟


هل كُتِب على الجنس البشري أن يكون سجين هذا الجحيم النفسي، وأن يقتصر الخلاص على تلك الحفنة الضئيلة للغاية من الناس الذين لبسوا الصوف وفزعوا إلى الصحراء أو الجبال أو المعازل ليجدوا هناك السلام الداخلي؟


ثم: هل يكمن “الحل النهائي” لهذه الدراما الإنسانية الدائمة في مابشّر به الفيلسوف الإغريقي لوكريس، الذي قال ألا مخرج سوى بالانتحار (وهو ما فعله بنفسه في سن الأربعين)، أم ربما في ما دعا إليه جان بول سارتر وألبير كامو وبقية الفلاسفة الوجوديين الذين أعلنوا أن “الآخر” هو الجحيم الذي يجب إعلان الحرب عليه؟


صاحبنا إيكهارت تول لايؤمن لا بلوكريس ولا بأي من أعضاء السرب الوجودي . فهو يؤمن بأن الخروج من الجحيم الإنساني الراهن إلى الجنّة، أو ما يسميه “الأرض الجديدة”، ليس ممكناً وحسب، بل هو أسهل من شربة ماء .


كيف؟ عبر تعرية “الأنا” الأنانية والزائفة، والانتباه والتيقظ لما تبثّه فينا على مدار الساعة من أفكار سقيمة وما تجتّره من ذكريات أليمة، وأيضاً لما تفعله بنا حين تفصلنا عن وحدتنا الوجودية مع الطبيعة والكون والله، فننسى بذلك أننا مخلوقات يجب أن تكون سامية وسماوية لأننا نمتلك الوعي بالوجود .


هذا الوعي السامي والمتسامي يقف على طرفي نقيض مع وعي “الأنا” الأنانية . فهو يخلق في الإنسان أحاسيس السلام الداخلي والخارجي، والتناغم، والتوحّد مع الطبيعة والله (فتتحقق بذلك السعادة الحقيقية) . هذا في حين أن ألاعيب الأنا تُسفر عن اضطراب وتمزق وصراعات لا نهاية لها .


لكن، كيف يمكن لنا أن ننتقل من وعي الأنا المتدني والمأزوم إلى الوعي الأعلى المتسامي والحقيقي؟


عبر الخطوات التالية (وفق تول):


الخطوة الأولى والأهم، هي تسليط أضواء الوعي اللا انفعالي على “الأنا”، ومنعها من السيطرة على العقل وإثارة الخوف والانفعالات فيه . وهذا أمر قد يبدو صعباً في البداية، لكنه ليس كذلك إذا ما تذكّرنا أن “الأنا” لا يعتاش على سوى ألم ذكريات الماضي وأوهام المستقبل وأنه، بالتالي، يتبخّر هباء منثوراً حين نعيش لحظة الحاضر بكل تفاصيلها . القوة الكامنة في الحاضر هائلة، لأنها الحقيقة الوحيدة التي تعبّر عن الوجود الحقيقي .


الإدراك بأنه ليس هناك شيء اسمه اللاسعادة . هناك فقط أفكارك حول وضع صعب قد تكون فيه . فإذا ما كان في وسعك تغيير هذا الوضع فليكن، وإلا فلتقبل به كما هو .


الوعي بأنك لست منفصلاً البتة لا عن باقي البشر ولا عن الطبيعة ولا الكون . كل ذرة في دماغك أو جسمك كانت في يوم ما جزءاً من الشمس والنجوم أو حتى من إنسان آخر . وبالتالي لا تستخدم تعبير “هذه حياتي” بل تعوّد أن تقول “أنا جزء من الحياة” . أنا الحياة . ومع الحياة، ليس ثمة في الحقيقة شيء اسمه الموت .


حين تعي أن معاناتك ناجمة من “الأنا” الأنانية، وأن هذه “الأنا” ليست أنت، تتحرر روحك وتنطلق نحو السلام الداخلي والسعادة .


أفكار جميلة؟ حتماً . وهذا مايجعل كتاب تول واجب القراءة .


saad-mehio@hotmail.com

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

14/03/2011
إصلاح المخابرات لا تدميرها

13/03/2011
سر "الثالوث الحاكم"

12/03/2011
"إمبراطورية المخابرات" ترد بعنف

10/03/2011
هي صانعة التاريخ

09/03/2011
"الأيادي الخفية"

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008