قبيل الحرب على العراق عام ،2003 أعلن كوفي أنان، الأمين العام السابق لهيئة الأمم المتحدة، أن تلك الحرب تخاض “خارج الشرعية الدولية” . هذا الحكم الصريح كان له مدلول كبير، آخذاً في الاعتبار أن أنان كان حريصاً على تجنب استفزاز إدارة جورج بوش . ولكن منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، فإن الحكومات والقوى التي قادت الحرب أو ساهمت فيها لم تكف عن محاولة إضفاء شرعية على الحرب وإلغاء مفاعيل الانتفاضة العالمية ضد الحرب . وتتخذ هذه المحاولات طابعاً متنوعاً يتفاوت بين تقديم مبررات صريحة وإضافية للحرب أحياناً، وشن ما يشبه “الحروب الأهلية” ضد القوى السياسية والقيادات التي عارضتها .
خيّل للكثيرين عندما شكلت “لجنة تشيلكوت” لتقصي الحقائق في بريطانيا، أن تلك اللجنة سوف تحاول تقديم فهم أفضل للحرب ولبواعثها وملابساتها ونتائجها، وأنها بالتالي سوف تساعد بريطانيا والمجتمع الدولي على الخروج بعبر ودروس مناسبة للمستقبل حتى لا تتكرر فصول تلك الحرب . إلا أن أعمال هذه اللجنة والتعليقات التي يدلي بها أحياناً بعض المسؤولين في لندن تكاد تنزع عن اللجنة مفعولها الإيجابي، وتحولها، هي في حد ذاتها، إلى مجرد محاولة من النوع الأول، لإضفاء شرعية لاحقة على حرب العراق . في هذا السياق نجد رالف ميليباند، وزير خارجية بريطانيا، يقول في شهادته أمام لجنة تقصي الحقائق إن “ضعف” هيئة الأمم المتحدة كان أحد الأسباب الرئيسية التي سببت الحرب على العراق، وإن تلك الحرب “أنقذت مصداقية المنظمة الدولية” .
وأسند ميليباند قوله هذا بقوله إن هيئة الأمم المتحدة أصدرت 14 قراراً بين الحرب الأولى على العراق عام 1991 والحرب الثانية عام ،2003 ولكن الحكومة العراقية في العهد السابق ضربت بعرض الحائط كافة تلك القرارات . وأضاف وزير الخارجية البريطاني قائلاً، إن هيئة الأمم المتحدة كانت ستتعرض إلى صدع شديد لو أن الدول المعنية مارست أقصى درجات الضغط على تلك الحكومة ولكنها “فشلت في تجريدها من أسلحة الدمار الشامل” (!) هذا الفشل كان كفيلاً، في رأي ميليباند بالحاق الضرر بفكرة العمل الدولي الجماعي . أخيراً لا آخراً، قال الوزير البريطاني في شهادته إن الحرب أدت إلى إعلاء مكانة الدول التي ساهمت فيها بين العرب، لأن الأخيرين باتوا على ثقة بأن دول الغرب “تنفذ وعودها” .
فيما تطل محاولات شرعنة الحرب على العراق عبر لجنة تشيلكوت في بريطانيا وعبر الشهادات التي يدلي بها بعض المسؤولين البريطانيين، فإنها في الولايات المتحدة تطل على المسرح السياسي عبر حملة شرسة تمارسها القوى التي دعمت الحرب على إدارة أوباما . فالبوشيون وأنصارهم من اليمين المتطرف لا يكفون عن اتهام أوباما بأن سياسة “الاحتواء” التي يمارسها تهدد أمن الولايات المتحدة . كذلك يسود الاعتقاد في هذه الأوساط بأن سعي أوباما إلى ضمان تأييد دولي وإسلامي وعربي بصورة خاصة للحرب على الإرهاب، إنما يندرج في إطار سياسة ترمي إلى وضع الولايات المتحدة تحت “سيطرة الأمم المتحدة” .
لقد أطلقت تلك التهمة خلال التسعينات عندما كان بطرس بطرس غالي أميناً عاماً لهيئة الأمم المتحدة، وانتشرت في أوساط محدودة معروفة بتطرفها الشديد . أما الآن فقد باتت هذه التهمة، وبعد وصول أوباما إلى البيت الأبيض، وبفضل البوشيين، مقبولة ومتداولة في أوساط الحزب الجمهوري نفسه وبعض الأوساط الدينية الأمريكية المحافظة . ويأخذ هؤلاء على أوباما معارضته لحرب العراق وللنزعة الأحادية التي طبعت سياسة جورج بوش . وأضيفت إلى تلك التهمة التركيز على الخلفية الإسلامية والإفريقية لأوباما، واتهام له بأنه سوف يحول النظام الأمريكي من الديمقراطية الليبرالية إلى نظام شمولي يجمع بين الاشتراكية والفاشية .
وصلت حملة الاتهامات الموجهة إلى باراك أوباما إلى حد بات يثير مخاوف أمنية حقيقية داخل الإدارات الأمريكية المعنية . ولقد صرح بعض المسؤولين الأمريكيين في تلك الأجهزة أنهم كانوا يفضلون أن ينقلوا أوباما بعد حفل تنصيبه مباشرة إلى كامب دافيد لكي يقضي هناك بقية مدة ولايته وبعيداً عن متناول أية جماعة من الجماعات الكثيرة اليمينية المتطرفة التي تعهدت بالقضاء عليه . إلى هذا الحد وصلت الحملة التي تشنها الأوساط اليمينية المتطرفة في بعض دول الغرب من أجل إسكات الأصوات التي تنادي بعالم خال من النزعات الأحادية والمغامرات العسكرية والامبرياليات الجديدة .
سواء في بريطانيا أو في الولايات المتحدة سوف تنتهي محاولات شرعنة حرب العراق إلى الفشل، فلن يقتنع أحد بأن الحرب نفذت من أجل حماية النظام الدولي وهيئة الأمم المتحدة . يكفي أن يقارن المرء بين موقف القوى التي نفذت الحرب تجاه العهد العراقي السابق، وموقفها اليوم تجاه تمرد “إسرائيل” على أية مشروعية دولية وموقفها السلبي الذي لا يتبدل من هيئة الأمم المتحدة، حتى تنكشف هشاشة الحجة التي اقترحها ميليباند تبريراً للحرب . ويكفي أن يدرك المرء طبيعة القوى التي تخوض معركة شرسة ضد أوباما وتهدد بقتله، حتى يدرك النوايا الكامنة وراء هذه الحرب ومدى “ابتعادها عن الشرعية الدولية”، كما قال كوفي أنان .
* كاتب لبناني