هل هي مصادفة أن يكون الطرف الوحيد الذي “يجرؤ” على الحديث عن المصالح القومية الأمريكية في الشرق الأوسط، في موازاة المصالح “الإسرائيلية”، يهودياً؟
لا يبدو . فاليهودي هو الوحيد على الأرجح القادر على ذلك، من دون أن يُتهم بأنه معاد للسامية، أو مساند لـ”الإرهاب” العربي، أو متلاعب بأمن “إسرائيل” . صحيح أنه قد يُدان بتهمة “كراهية الذات” التي تُطلق على كل يهودي ينتقد تل أبيب، لكن هذا لا يعرضه إلى ما قد يتعرّض إليه الأمريكيون غير اليهود: “قطع الأرزاق” الانتخابية، والموارد المالية، والحرمان من التغطية الإعلامية .
روجر كوهن واحد من هؤلاء اليهود . فهو قبل أيام ذكّر بقول بنيامين نتنياهو بأن “إسرائيل” والولايات المتحدة لديهما مصالح مشتركة، لكننا سنعمل وفق المصالح الحيوية الخاصة لدولة “إسرائيل”، ليخلص إلى أن “ . . لأمريكا أيضاً مصالح قومية حيوية في الشرق الأوسط” .
بالطبع، لم يعنِ كوهن البتة بذلك أن أمن “إسرائيل” المُطلق لا يتطابق مع المصالح الأمريكية المطلقة، ولا حتى بأنه يجب وقف الثلاثين مليار دولار التي وفرها دافع الضرائب الأمريكي للدولة الصهيونية على مدى ثلاثة عقود ومولّت بها الاستيطان . كل ما عناه أن المصالح الأمريكية تقتضي إبرام حل الدولتين في فلسطين لحقن دماء الشبان الأمريكيين ولمنع تطور ظاهرة “الإرهاب” العربي .
وهذا كلام عقلاني عدا كونه شجاعاً . لكن لا منطقيته ولا شجاعته ترشحانه لكي يكون هو المنطق السائد في واشنطن . فالرجل لا يمثّل سوى أقلية ضئيلة بين اليهود الغربيين والأمريكيين الذين أدمنوا الولاء الأعمى ل”إسرائيل” . وبالتالي الكلام الجريء ليس أكثر من ذلك: أي مجرد كلام سرعان ما ستذروه الرياح .
ثم إذا ما كان هؤلاء الشجعان أقلية بين اليهود، فكيف بين أكثرية الأمريكيين الذين يُمثلّهم كونجرس ينطق باسم اللوبي اليهودي “إيباك” لا باسمهم؟
هل بدأنا نُلمح هنا إلى أن هذا يعني أن الصدام الحالي بين إدارة أوباما وبين حكومة نتنياهو بسبب إهانة المستوطنات (وفق تعبير ديفيد أكسلورد مستشار أوباما) سينتهي لصالح هذه الأخيرة؟
على الأرجح . فالرئيس الأمريكي الشاب لن يستطيع خوض مجابهة طويلة الأمد مع تل أبيب، من دون أن يغامر مسبقاً بخسارة معركة الرئاسة لولاية ثانية، ومن دون أن يعرّض نفسه إلى حملات واسعة النطاق من جمهرة واسعة في أمريكا تضم غلاة اليمين الجمهوري والمحافظين الجدد وصقور البنتاغون والمؤسسات المالية والإعلامية الكبرى .
“الحل الوسط” وارد هنا: قليل من التراجعات من جانب نتنياهو مع الكثير من التنازلات من جانب أوباما، تحت شعار نزع فتيل الأزمة . بيد أن الحصيلة ستكون إياها: كما أن نتنياهو انتصر على أوباما قبل ستة أشهر فنسف كل مبادراته الشرق أوسطية والإسلامية، سينتصر عليه الآن لينسف ما تبقى من هذه المبادرات، وهي هنا لا تتعدى الهدف المتواضع بالإيحاء بأن عملية السلام مستمرة في الشرق الأوسط .
في الأسبوع الماضي، نشرت صحيفة “معاريف” كاريكاتيراً على صفحتها الأولى يُصوّر أوباما “الرجل الأسود” وهو يطبخ في قدْر نتنياهو “الرجل الأبيض” .
عنصرية فاقعة؟ أكثر من ذلك بكثير: إنها الخطوة الأولى في حرب مفتوحة، سرعان ما ستضع على رأس الرجل الأسود عمامة دينية إسلامية .
saad-mehio@hotmail .com