رأي ودراسات

البحـــث

    
إنفلونزا الخنازير مصلحة دولية عامة آخر تحديث:الأحد ,31/05/2009

محمد خليفة


 


آخر ما كان يخطر على بال البشر هو أن يسمعوا بداء جديد يدعى “إنفلونزا الخنازير” فقد ظهر هذا الداء على حين غفلة في المكسيك في النصف الغربي من الكرة الأرضية، لكنه سرعان ما تعولم وأعلنت جميع الدول بما فيها الدول العربية والإسلامية، حالة الاستنفار العام خوفاً من هذا القادم الجديد. لكن ما يدعو إلى التساؤل هو كيف ظهر هذا المرض الخطير وكيف انتشر عبر العالم في سرعة قياسية قتل  حتى قُتل وأصيب كما يقال  ما يزيد على عشرة آلاف شخص في أماكن متفرقة؟


الواقع أن هناك غموضاً كبيراً يكتنف هذا المرض وما سبقه من الأمراض العالمية الأخرى، ومكمن هذا الغموض يتمثل في حجم الدعاية التي رافقت ظهوره. إذ ما كادت المكسيك تعلن عن أول إصابة بهذا المرض حتى سارعت دول أخرى بعيدة إلى الادعاء بوجود إصابات مماثلة على أراضيها كما أن منظمة الصحة العالمية أصدرت بيانات تحذير من خطورة المرض وانشغلت الدول المختلفة بفرض الرقابة الاحترازية على القادمين من دول موبوءة وعلى لحوم الخنازير التي تدخل إليها. وأصبح الشغل الشاغل للعالم هو محاربة هذا الوباء الجديد الغامض، وإذا نحن سلّمنا بوجود الإنفلونزا أو الزكام كمرض يصيب الإنسان والحيوان على حد سواء، فإن المستغرب هو كيفية انتقال المرض من الحيوان إلى الإنسان أو العكس، إذ ثمة حاجز بيولوجي بين الخلقين. فعلى الرغم من التشابه الكبير بينهما، إلا أن التركيب البيولوجي لكل نوع منهما يجعل الأمراض التي تصيبه لا تنتقل إلى النوع الآخر، ومثال على ذلك هو أن مرض جنون البقر لم يؤد إلى إصابة البشر الذين يأكلون لحم الأبقار المصابة بالجنون إذ لم نسمع عن إصابة بشرية بهذا المرض، بل قيل إن وفيات حدثت في بعض دول أوروبا، وقد تكهن العلماء أن سبب هذه الوفيات هو مرض جنون البقر، لكن لو كان هذا المرض هو السبب، فلماذا لم يجنّ هؤلاء البشر؟ ولماذا ماتوا بشكل فجائي؟


الواقع أن إذاعة الأخبار حول الأمراض القاتلة في العالم باتت حاجة ضرورية لمختلف الحكومات وخاصة في هذا العصر الذي انتشرت فيه وسائل الإعلام وأصبح الخبر ينتقل في دقيقة واحدة من مشرق الأرض إلى مغربها ومن جنوبها إلى شمالها ذلك أن أية حكومة في أية دولة بحاجة إلى الظهور أمام شعبها وكأنها مهتمة بصحته وبحفظه من الأمراض وفي بقائه حياً يعيش في أمن ودعة، ولهذا فإنها تستثمر دعاية الأمراض في إظهار نفسها كحارس أمين على راحة الشعب.


وأيضاً فإن بعض الدول الكبرى تريد من خلال دعاية الأمراض أن تستتر على بعض الحقائق أو صرف الاهتمام عن قضية دولية مهمة. فمثلاً أثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان، ظهرت دعاية قوية حول ما يسمى مرض “سارس” وقيل آنذاك إن هذا المرض قاتل وإنه ينتقل من القطط إلى الإنسان ومن الإنسان المصاب إلى الإنسان السليم، وتم دفع العالم أجمع إلى أتون الرعب والخوف حتى لقد أحجم الكثير عن السفر. وبعد انتهاء عملية احتلال أفغانستان توقف الإعلام العالمي عن الحديث عن هذا المرض حتى لم يعد يذكره أحد الآن. وأيضاً ترافقت الحرب على العراق مع مرض إنفلونزا الطيور وتم كذلك دفع العالم إلى الرعب حتى حلت كارثة بمربي وتجار الفراريج والدجاج بسبب الانكفاء العالمي عن شراء هذه اللحوم. وقد انتهى الحديث عن هذه الإنفلونزا، لكن ظهرت إنفلونزا جديدة هي إنفلونزا الخنازير وهذه الأخيرة جاءت مترافقة مع حدوث الأزمة الاقتصادية العالمية.


قطعاً إن العالم سيبقى يعيش في الخوف من هذه الإنفلونزا سنين عديدة إلى أن يتعافى الاقتصاد العالمي وربما بعد ذلك تظهر قضية جديدة ومرض جديد. ولا شك في أن الإنسان العادي أو رجل الشارع هو الذي يتحمل عبء دعايات هذه الأمراض، لأنه واقع تحت رعب مرض ذاهب وآخر قادم، وإذا هو صرف اهتمامه عن تلك الأمراض فإن الحكومات تذكّره بها من خلال تدابيرها الاحترازية التي تبدو في ثوب البراءة ولكنها غير ذلك.


وفي النهاية فإن الحقيقة تبقى غائبة، ويبقى الجهل هو سيد الموقف في عصر يوصف بأنه عصر العلم والانفتاح، ليعلم أن بقاء الجنس البشري يوماً بعد يوم شيء من تقدير الله العجيب في الخلق، وتدبيره الدقيق في الكون، فهي حكمة الله الذي خلق كل شيء وحياته وعمله موصولة كلها بأصل هذا الكون وبالناموس الذي يحكمه.


كاتب من الإمارات

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

رائع

عبد الماجد

التاريخ : 31-05-09 | الساعـة 08:04 ص

رائع يا أستاذ محمد .... والله رائع دفعني مقالك عنوة للسباحة والغوص في مياه إعمال العقل ... شكرا لك

 

خدعة للتعويض

بوأحمد

التاريخ : 31-05-09 | الساعـة 09:44 ص

بعد الأزمة الإقتصادية العالمية لابد من وجود شيء ولو بالقليل يعيد لهم الجشع المادي الذي بهم ، فكان (انفولونزا الخنازير) ، إذ سارعت الدول في شراء العقاقير والأدوية لمكافحة هذا المرض ، مما يدر بالربح الكبير والسريع في نفس الوقت على الدول المنتجة للعقار ، فهي حِيَل يتخذونها لكسب المال بأي طريقة ولو على حساب أمن واستقرار البشرية ، وهم في ذلك ماضون على المثل القائل ( الغاية تبرر الوسيلة) .

 

لا إفراط ولا تفريط

بو جاسم

التاريخ : 31-05-09 | الساعـة 08:19 م

نعم أتفق تماماً مع الأستاذ محمد فيما ذكر وذكره الأخوة في تعليقاتم ولا يجالجنا أدنى شك في فكر المؤمرة الغربية وفي ذات الوقت ربما يكون ما يحدث هو سنة من سنن الله العلي العظيم في الناس والحياة

 

تعليق

فاطمة صالح صالح/سورية

التاريخ : 04-12-09 | الساعـة 05:01 م

شكرا ً أخي الكريم على هذه المقالة الهامة.. وقد نقلتها إلى مواقع أخرى.. مع الاحتفاظ باسم الكاتب والناشر.. شكرا ً مرة ثانية.. وتحية لكل المتنوّرين.. والذين لا يبخلون بالتنوير..

 

  آخر مقالات للكاتب

05/02/2012
الإمارات في عيون العالم

29/01/2012
لبنان والعتمة "الإسرائيلية"

22/01/2012
مليار إنسان جائع

15/01/2012
الوئام العالمي بين الأديان

08/01/2012
حلم القارة العجوز يتهاوى

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008