في عام 1600 ولدت شركة الهند الشرقية البريطانية واستمرت في النمو والتوسع والسيطرة حتى عام ،1874 وفي عام 2000 ذهب نيك روبنز للعمل في لندن، مدينة المال والأعمال، وبعد تسع سنوات ألف كتابه “عندما تبني الشركات امبراطوريات، كيف هيمن الغرب على العالم؟”. والكتاب سرد ممتع وجذاب للسيرة الدموية للشركة الأشهر في التاريخ والتي كان لها الدور الأكبر في احتلال الهند وبلغ عدد جنودها في عام 1805 استعداداً لدخول درة الشرق 154 ألف جندي، وتكون اسمها من مفردات دلالية تجمع بين الشرق والغرب وتختصر مدارات جغرافية عدة.
الجغرافيا ذلك الدرس الغائب في التعليم الحاضر الممتع في الحكايات، نتذكر ونحن أطفال مدرس الجغرافيا وهو يلقننا مواقع الدول وعواصمها ومساحاتها وخطوط الطول والعرض فيها بلا أية منمنمات تشخذ الخيال، بينما مازلت أذكر أول قصة قرأتها بمفردي، وكانت لكامل الكيلاني بعنوان “مدينة النحاس” الواقعة في البحر المسحور في مكان ما من أرض الله الواسعة، جغرافيا أخرى منفتحة على اللامكان من دون خرائط ملونة صماء كان المطلوب منا كتلاميذ حفظها عن ظهر قلب، الجغرافيا درس قاس حتى عندما درسنا في الثانوية العامة جغرافيا حوض النيل وتشكيلاته السكانية والطبيعية، أو عندما اعلنت الجامعة عن مسابقة في عام 1993 للكتابة حول الإبداع الجغرافي للراحل جمال حمدان إثر وفاته المبكرة والمشكوك في طبيعتها.
الشرق والغرب، الشمال والجنوب، الاستشراق، ما بعد الكولونيالية، طريق الحرير، العولمة.. الخ، مصطلحات لكل منها سرديته الخاصة والتي يربط بينها خيط الجغرافيا ومداراتها المتعددة، نحن لانتحدث هنا عن أمكنة أو مفردات تتناص بنحو أو آخر مع المكان وثقافته، ولكن عن الجغرافيا، الصانعة للتاريخ والثقافة عن صياغة الإنسان الأول لأبعاد أناه وتشكيلاته لحدود مكانه وموارده والحروب التي خاضها في سبيل ذلك، أي الأفكار المسيلة لدماء تسعى لامتلاك خرائط خاصة بها ومنتجة لسيميائيات تنتظر من يتماس معها.
الوعي بالإنسان كابن للجغرافيا درس ابن خلدون الأكبر، والذي أسس عليه علم الاجتماع، الانسان لدى الجغرافيين المسلمين يتأثر بطبوغرافيا الأرض وحتى الخرائط التي صاغوها تبرز فيها الحدود الطبيعية كفواصل بين البشر، وكأن الأرض كلها لله والانسان مستخلف فيها، ومن هنا اعتبرالعرب في فترة تفوقهم الحضاري العديد من الشعوب الأخرى متحضرة يذكر منها الجاحظ الأمم القاطنة في الصين والهند وبلاد اليونان القديمة وفارس.
لا حدود مصطنعة في وعي الجغرافي المسلم، بل الأرض في حالة سيولة دائمة والحديث عن البلدان بغرض اكتشافها، ولذلك نجد مؤلفات بعناوين “معجم ما استعجم”، “معجم البلدان” و”تقويم البلدان” جغرافيا اقرب الى الأدب المتبصر لبشر بإمكان الأرض أن تسهم جميعاً، جغرافيا لم تتلوث بعد بالمضاف اليها من اصطلاحات أخرى كالجغرافيا البشرية، والجغرافيا السياسية.. الخ.
تتلوث الجغرافيا مع توماس مالتوس عندما وضع نظريته الشهيرة حول علاقة الإنسان بالمتاح من موارد الأرض ثم تفسيرات الفرد ماهان بخصوص الصراع بين البشر للوصول الى المياه المفتوحة فسردية فرناند برودول حول البحر المتوسط كبؤرة نزاع ابدية بين مختلف الثقافات، التقسيمات الجغرافية المملوءة بدلالات تحيل الى مجموعات ثقافية بعينها موروث غربي بدأ منذ اليونان باعتبار الآخر الجغرافي بربرياً. وانتهى بهنتنجتون في صدام الحضارات، مروراً بالنظريات السابق الاشارة إليها، جغرافيا ميكانيكية صارمة تصنع تقسيمات حادة بين البشر.
الكشوف الجغرافية الدرس الأول في النهضة الاوروبية وحاملة الغرب الى ما وراء حدوده، الهدف ليس التعرف الى الشعوب الأخرى، بل نهبها وصياغة ثقافة كاملة عنها ستنعكس بالدرجة الأولى في وعي هذه الشعوب، على هامش الثروات المنهوبة ستنشأ علوم استعلائية كالانثربولوجيا وفضاءاتها المخترعة للهمجي والبربري والمتوحش، وستنمو سلوكيات الترانسفير والاستيطان، الأرض الجديدة، الامريكتان واستراليا، لا بد ان تزال حدودها الطبيعية لتصنع حدود مفتعلة وتقسم الى بلدان يسكنها الاوروبي، تتحول الأرض ومن عليها الى مادة استعمالية منزوعة القداسة، ومن هنا نشأت فكرة الابادة ونشأت أيضاً افكار حول الأرض التي بلا شعب.
هل لنا أن نتأمل جغرافيا العالم قبل النهضة الاوروبية؟ عالم اسلامي ممتد من الصين الى شرق اوروبا، وعالم مسيحي يقطن اوروبا الشمالية والغربية والوسطى، الآخر مفهوم شبه غائب، هو اختراع اوروبي لتصدير الصراع الداخلي الى الشرق، ذهنية لا تتحمل المغاير حتى في داخلها، الحروب الدينية ومحاكم التفتيش وسيطرة الكنيسة صنعت وحدة اوروبا الثقافية التي لا يوجد فيها آخر، بينما ظل الشرق مؤمناً بالجغرافيا الطبيعية التي جعلت من المنطقة فسيفساء من الملل والنحل بالتعبير التراثي أوالطوائف باصطلاحنا المعاصر، القلاع والجبال والصحراء في تاريخنا الاسلامي أمكنة جغرافية معزولة للهوامش والاقليات والتي مهما اختلفت عن الأكثرية فلها الحق في الحياة بعكس تلك المناطق في التاريخ والأساطير الغربية والتي لا يقطنها سوى مصاصي الدماء والمجذوبين والشياطين الخ.
لم نكن لنلتفت الى الجغرافيا كهم ثقافي إلا بدخولها مؤخراً في حيز السياسات الثقافية التي ترسم للعالم، حيز مناخ العصر، تمر أمامنا العديد من عناوين الكتب التي تنظر للجغرافيا كإقصاء أو على وجه الدقة كأشد حالات الاقصاء بين البشر، أصبحت الجغرافيا وعاء للمختلف والمطلوب ابعاده أو اسكاته، أفكار تعتبر الامتداد الطبيعي لهنتنجتون والافراز المباشر للنسبية الثقافية.
كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف ولماذا؟ عنوان فرعي لكتاب جغرافية الفكر تأليف ريتشارد إي. نيسبت، في البداية يطرح المؤلف حكاية طريفة مفادها أن أحد طلابه من الصين اخبره ان الصينيين يرون العالم في شكل دائرة والغربيين يشاهدونه كخط مستقيم، الملاحظة دفعت الكاتب للتفكير والقراءة لسنوات والمقارنات بين الفلسفتين، المنطقين، الأحداث التاريخية الكبرى في كل من الشرق والغرب ليتوصل في النهاية الى أن طبيعة الفكر “ليست واحدة في كل العالم ويطرح قضايا اشكالية في كل صفحة من كتابه، فتحت عنوان التفكير العقلي يقول “لماذا الغربيون أميل الى استخدام المنطق الشكلي عند التفكير عقلانياً في الأحداث اليومية، ولماذا اصرارهم على المنطق حتى وان أدى أحيانا الى وقوعهم في اخطاء؟ ولماذا يميل الشرقيون ميلاً كبيراً الى التفكير في ضوء القضايا واضحة التناقض، وكيف يساعدهم هذا أحياناً على الوصول الى الحقيقة؟
منذ سنوات طويلة هوجم زكي نجيب محمود عندما وصف الشرق بالفنان والغرب بالعالم، اعتبرت رؤيته آنذاك انتكاسة لأحلام النهضة والتنوير والتطلع الى قواسم انسانية مشتركة ربما لم يبق منها إلا وحدة العقل، ومنذ سنوات أيضاً هوجم الجابري لأنه اقترب من الرؤية نفسها ولكن داخل الثقافة العربية هذه المرة ويبدو أن المثقف العربي توقف الآن عن التعاطي مع الأفكار الكبرى.
بوصلة الثقافة العربية الآن مهزوزة، الكتاب السابق ليس حالة فردية، بل هو ضمن سلسلة أخرى من الكتب يطالعها المتابع بين الحين والآخر، الجغرافيا الثقافية، انتحار الغرب، الدولتان، عشرات العناوين عن العولمة، واللافت أننا وقفنا كثيراً أمام اطروحة نهاية التاريخ لفوكوياما وصدام الحضارات لهنتنجتون ربما لطابعهما المسيّس الفج.
إذا طالعنا أية اطروحة عن العولمة سنجد حالة من اللاثبات والجدل اللانهائي حول عولمة الحداثة أو الالتفاف الى الثقافات القومية، استراحت بعض العقول فيها بارجاعها الى عصر شاك جديد نريح الذهن منه بوصفه ب “لما بعد” حداثة، واللافت مرة أخرى ان هذا العصر بكثير من الاحتراس يسير نحو ربط الثقافة بالجغرافيا، بالهويات المغلقة، بالتأكيد على تاريخنا، حدودنا.. الخ وهنا لا بد أن يختلف دور المثقف العربي، يجب أن يقول كلمته الحقيقية بمعنى الخروج من حالة انتظار ما ستسفر عنه الأحداث وأن ننقد الذات بصراحة والآخر بجرأة.
إن التأكيد على الهوية المغلقة هو اعتراف ضمني بوجود مشكلات كبرى تهدد الوجود في حد ذاته، المثير في الأمر أن مطالعة العناوين السابقة تؤكد هذا التوجه في الغرب الانفتاح الغربي في العقود الأخيرة على الثقافات الأخرى والتركيبة السكانية المهددة في بعض البلدان الغربية وتغير مفاهيم تقسيم العمل الدولي والهجرة والسفر بلا حدود.. الخ، كلها عوامل دفعت الكثير من المفكرين هناك الى إعادة تعريف الغرب نفسه وربما نقرأ لدى البعض هناك ظلالاً من جدل سخيف دار لعقود طويلة في ثقافتنا حول الموروث والوافد، والمثير مرة أخرى ولكن للأسى أننا لا نستثمر هذه الفرصة، لا يوجد مفكر عربي واحد يمتلك أدوات نقد الغرب من داخله.
ربما نلمح أطياف ادوارد سعيد وعبدالوهاب المسيري وحسن حنفي، ولكن هؤلاء انتقدوا المنطقة الجغرافية الرمادية، أي الغرب في رؤيته للشرق، قرأوا الغرب بوصفه ذاتاً فاعلة ولم يخضعوه للدراسة كموضوع قابل للتحليل، مشرط النقد نظر الى الغرب كعالم متكامل الأركان وليس كتجربة تاريخية محددة الجغرافيا.
فخاخ الجغرافيا عدة ربما نميز من خلالها رؤيتنا للعالم والتاريخ أو ندرك عبرها حدودنا المكانية أو نقع في دائرية تقسيمات نظريات الكولونيالية وما بعدها، ولكن ما نطالب به أن نتجرأ كعرب للخروج منها وأن نعي أن السيولة الجغرافية التي حققتها العولمة أوقعت الآخر للمرة الأولى في فخاخها.