رأي ودراسات

البحـــث

    
نشيد الأرض وذبح الأشجار في غزة آخر تحديث:الأحد ,14/03/2010

محمد خليفة

قام وزير الخارجية الإيرلندي “مايكل مارتن” مؤخراً بزيارة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح بعد أن منعته إسرائيل من الدخول، وذلك للاطلاع عن كثب على أوضاع ومعاناة الفلسطينيين جراء الحصار والحرب، وتعهد بتقديم دعم إضافي لثلاثة أرباع السنة الجارية بمبلغ 12 مليون دولار لتمكين الوكالة الدولية لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) من مواصلة خدماتها وبالأخص في مجالي الصحة والتعليم في أعقاب زيارته لعدد من المدارس والمستشفيات والمناطق المتضررة، وأكد أنه سينقل رسالة إلى الاتحاد الأوروبي حول الأوضاع المأساوية في القطاع وضرورة ممارسة الضغوط على الحكومة “الإسرائيلية” لرفع الحصار .


وكانت وسائل الإعلام قد تناولت زيارة الوفد البرلماني الأوروبي إلى قطاع غزة في 16/1/2010 والذي ضم 55 برلمانياً يمثلون 12 دولة أوروبية إضافة إلى أعضاء في البرلمان الأوروبي ووزراء سابقين، وقال النائب اليهودي البريطاني جيرالد كوفمان إن زيارة الوفد تهدف إلى بعث رسالة واضحة بمناهضة الحصار “الإسرائيلي” والتضامن مع سكانه، وقال إن الوفد البرلماني يمثل الملايين في أوروبا ممن ينظرون إلى معاناة غزة بشغف .


 لقد أثرت مشاهد الموت المروعة والدماء وسط دوي القنابل وأزيز الرصاص في نفوس شعوب العالم، وعصفت بمشاعرهم مسلطة الضوء على ما آلت إليه الأوضاع في غزة على وجه الخصوص والقضية الفلسطينية عموماً، بينما لا تزال القوافل تواصل دعمها لمساعدة أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون تحت الحصار والقتل البطيء الذي لا يقل عن تلك المعاناة التي عاشوها إبان العدوان “الإسرائيلي” الغاشم، وستزيد من معاناتهم الجدران الفاصلة على حدود القطاع، والتي ستسد سبل الإمداد بالغذاء والدواء والوقود والاحتياجات الأساسية ليغدو القطاع بذلك سجناً من الذل والهوان .


 فالذكريات الأليمة التي خلفتها الوحشية “الإسرائيلية” لم ولن تنسى من الذاكرة حيث جرائم الحرب المرتكبة بحق الإنسانية والقصص الكارثية، والمشاهد المروعة شديدة البشاعة لدرجة تفوق الوصف، فقد كانت الحرب تحرق مختلف أوجه الحياة بكل تفاصيلها وتسحق كل شيء في طريقها من مبان ومساجد وكنائس ومستشفيات ومدارس وجامعات لتحولها إلى أكوام من الأنقاض بينها مئات القتلى والجرحى . وتحت القصف الشديد بالمتفجرات المحرمة دوليا فارقت الأرواح الحياة واضطر الأهالي إلى التنقل من مكان لآخر تاركين الجثامين المسجاة في أفنيتهم وشوارعهم وقلوبهم نازفة مليئة بالجراح والآلام، وكانت الكلاب المسعورة التي أطلقتها قوات الاحتلال تشوه أجساد الشهداء من الرجال والنساء والأطفال وتلتهمهم بكل وحشية حارمة ذويهم من دفنهم .


وكيف لأحد أن ينسى الدماء التي تفجرت والأشلاء التي تناثرت والجرحى والقتلى في مدرسة الفاخورة، التابعة لوكالة الأونروا في مخيم جباليا؟ ومن يستطيع أن ينسى مآسي مستشفى الشفاء ومستشفيات القطاع الأخرى التي كانت تعج بمئات المصابين والحالات الحرجة وسط آهات وآلام الجرحى وصرخات الأمهات الثكلى؟ فقوات الاحتلال عبثت بآدميتهم واستخدمت قنابل التفجير الذاتي التي لم يعهد الأطباء كيفية التعامل معها والتي في النهاية لا يصلح معها إلا بتر الأعضاء، وكان المصابون الذين تعرضوا لقنابل الدايم المحظورة دولياً يموتون أثناء العمليات بسبب تفاعل شظاياها مع مواد التخدير فتؤدي إلى الوفاة المباشرة . ومن ينسى أطفال غزة الذين فقدوا أعضاءهم وتمزقت أجسادهم ومنهم من احترق بالكامل وتفحّم؟ فكان غليل “إسرائيل” لا يشفيه الدمار والمجازر البشرية فحسب بل قتل الطفولة الفلسطينية وتحطيم الأمل في عيون من حولها، ورغم ما شاهدناه وسمعناه إلا أنه يبقى الكثير مما تخبئه قلوب أهالي القطاع من معاناة ومآسي لم ترو بعد


 لقد أصبحت كلمة الموت في غزة لا تعني شيئا بالنسبة للفلسطينيين، إذ ما الذي يمكن أن يخشاه سكان غزة من المستقبل بعد أن وقعوا خارج الزمان والمكان، فالماضي المحاصر في اللاشعور يأتي ليتفجر في الحاضر من جرثومة الحقد التي جعلت القتل والموت نتيجة حتمية في فلسطين ومن سمائها طفحا من البثور المضيئة حينما ترسم الأرض بلون الرماد لتختفي الشمس وراء أضواء سائر الكواكب في ظلمات العنف وظلمات الأعماق، والقنابل تتفتت وأشعة اللهب ترى بالعين أن أجزاءها تتحرك منفصلة بعضها عن بعض في شكل جسيمات وذرات تظهر تحت أشعة الشمس بألوان متنوعة، فحركة أجزاء اللهب تجعل قنابل الفسفور الأبيض تحترق والليل يخرق بها الموج والجماجم جاعلا طوفان الموت يأتي في كل لحظة . المدينة تموت خلف الستائر المسدلة بالأشعة الرمادية ومن بين الأشجار العارية، أغصان متشابكة يابسة لم تزل تحمل أوراق الأعوام الماضية، فتارة تظن أن هذه الأشجار التائهة قد ماتت بعد أن جاء طوفان الحرب واندفع بقوة جارفا الأشجار الضخمة التي اجتثها خلال اندفاعه من جذورها العميقة، بسبب قوة الماء، رغم أن الماء في حد ذاته خير، لكن حين تمطر المدينة بالقنابل والرصاص يهدر الماء تحته هديراً رهيباً والرعد يقصف فوقه بقوة لا حد له ولا مدى والبرق في الكون المشتعل يخطف السمع والبصر .


 إنه إغراق في اللاوعي فهو الماء لذات الماء ليس لأنه شر متمثل في طوفان يهدر المدينة ويشكل كل عناصر المأساة وقسوة العدوان عندما بثت القنوات الفضائية الطفل الذي كان يمشي بجانب والده وهو ذاهب للمسجد وسقط متأثراً بقذيفة عندما انفجرت في الشارع، عاد الأب إلى بيته ويحمل الموت في صندوق، فعندما أقبل على أسرته قال لأمه “العزاء فيك” ولم يستطع الوقوف حتى سقط الصندوق تحت قدميه وتوقف لسانه وامتلأ البيت برائحة الموت وانحنت أمه وقبلته، فقد كان الدم يسيل على شفتيه وشعرت الأم كأن سكينا غرست في قلبها، وعندما أرادت أن تغسله رأت الجسد مقطعاً والقيح بداخله فلم تتمالك نفسها، فكل شيء فيه كان يحترق .


 هذا الطفل الذي كان يبحث عن الاطمئنان خوفاً من أن يقتل في منزله ارتدى ثيابه واتجه نحو المسجد ليؤدي صلاة الفجر، ففي ظل القلق والخوف والضياع الذي يعيشه أراد أن يؤدي فريضته، فهو كل يوم يركع ويسجد في رجاء إلى الله بأن يحرر أرضه بضمير صادق، هذه الضمائر هي وحدها المشاعل الحية التي تحمل شعلة الأمل في الإنسان مهما اكتنفه من ظلم وطغيان . إن استشهاده يضفي هالة من القداسة لا تطاولها قداسة أخرى، ويصبح شاهداً خالداً على الحقيقة الخالدة، حقيقة الحرية بمعناها الأرفع والأخصب والأعمق، وهؤلاء في الواقع هم الشفعاء أمام الحق الخالد، بل إن الموت انتصار للحقيقة المدفونة منذ ستين عاماً لتعود للانبعاث في هذه الذكرى .


 إنه انتصار الذاكرة وذاكرة الانتصار فثورة البطولة في فلسطين، هذه هي الذاكرة التي لا يحكمها منطق الزمان الطبيعي، إذ إن لها زمانها الخاص بها، في لؤلؤة الروح والحق الذي يضيء عتمة النفس كالبرق ليظهر الفجر بنوره الشامل نور التحرير والحرية، ويرفع همم أهالي غزة الصامدين الذين ضحوا بدمائهم وأرواحهم في سبيل إعلاء كلمة وطنهم والدفاع عن أرضهم وشعبهم، فأظهروا مدى قوتهم وصمودهم أمام المحتل الذي يضرب بكل المواثيق الدولية عرض الحائط ويرتكب بحق آدميتهم أبشع جرائم الحروب، ويمارس أعتى صنوف الظلم والاضطهاد والتنكيل والقهر .


* كاتب من الإمارات

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

بارك الله فيك

عادل

التاريخ : 14-03-10 | الساعـة 04:56 م

بارك الله فيك وفي قلمك وأيدك لنصرة المظلوم

 

  آخر مقالات للكاتب

05/02/2012
الإمارات في عيون العالم

29/01/2012
لبنان والعتمة "الإسرائيلية"

22/01/2012
مليار إنسان جائع

15/01/2012
الوئام العالمي بين الأديان

08/01/2012
حلم القارة العجوز يتهاوى

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008