لم يستطع الاتحاد الأوروبي لحد الساعة أن يثبت قدرته على حسم كل القضايا والمشاكل التي تصادفه من خلال لغة واحدة، ينصاع لها الجميع . ما زالت سياسة التحالفات والتكتلات سائدة . ففي كل قضية تخلق تحالفات سرعان ما تذوب حين يتعلق الأمر بقضية أخرى تستلزم خلق تحالف آخر مختلف . وباختصار ما زالت المصالح الوطنية الضيقة تعلو فوق مصالح الاتحاد الأوروبي، ما يجعل هذا الاتحاد ضعيف الفعالية تجاه الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين، وأحيانا ما تجاه بلد إفريقي صغير كرواندا، مثلا . ولعل التحالف الفرنسي الألماني تارة، ثم التحالف الفرنسي البريطاني تارة أخرى دليل على أن التكتل وسيلة مثلى لفرض الرأي في القرار الأوروبي . وليست بريطانيا العظمى هي وحدها الشوكة في الخاصرة الأوروبية فكثير من الدول الأوروبية، وخصوصا من أوروبا الشرقية تتمرد أحياناً على الدول الكبرى المُؤسّسة للاتحاد الأوروبي وتستقوي بالحليف الأمريكي، فتخلق أزمات صغيرة يتطلب الكثير من الجهد لإيجاد حلول لها .
على كل حال لايزال الحلف الفرنسي الألماني، على الرغم من بعض التوترات، وعلى الرغم من أمزجة الماسكين بالسلطة في هذا البلد أوذاك، يشتغل باعتباره النواة الرئيسية للاتحاد الأوروبي .
ولعل كثيرا من الأسباب تدفع إلى هذا الشلل، أو هذا البطء في تقدم مؤسسات الاتحاد الأوروبي . منها ماضي بعض الدول الاستعماري، ففرنسا، التي لم تقطع بعد مع سياسة “فرنسا إفريقيا” FranceAfrique، على الرغم من وعود الرئيس نيكولا ساركوزي الانتخابية، لا يمكن أن تضحي بمصالحها في كثير من مستعمراتها السابقة، في شمال إفريقيا وفي منطقة البحيرات ودول الساحل وغيرها، ونفس الشيء ينطبق على إسبانيا مع مستعمراتها السابقة في أمريكا اللاتينية، ولعل تعاملها مع كوبا فيما يخص مسألة المنشقين يعبر عن حرج ما وعن ابتعاد “مهذب” عن دعوات أوروبية لحصار بلد كاسترو .
والمشاكل التي يواجهها الاتحاد الأوروبي لا تعد ولا تحصى . ولعل الأزمة المالية العالمية لا تزال مثالا على أن كل دولة أوروبية تبحث عن خلاص فردي، على الرغم مما يحاول القادة الأوروبيون، خصوصا في ألمانيا وفرنسا، أن يظهروه علانية، من رغبة جماعية في البحث عن حلول جماعية .
لم يفعل الأوروبيون شيئا أمام إفلاس بلد بأكمله كإيسلاندا، غير مطالبة قادته بتعويضات من عدة مليارات يورو لرعايا هولندا وبريطانيا . ثم ما الذي فعله الاتحاد الأوروبي من أجل إنقاذ بلد كبير كاليونان من انهياره المالي الموجع؟ لا شيء، غير التأكيد الألماني الواضح على رفض برلين ضخ أي أموال في الاقتصاد اليوناني . السذج فقط من المراقبين من تصوّر، بالفعل، مليارات من اليورو تنهمر على اليونان وتنقذه، كما فعلت أمريكا مع أوروبا الخارجة من الحرب الكونية الثانية، مع مشروع مارشال .
الأزمة المالية في اليونان تسببت في أزمة اقتصادية خانقة وأزمة اجتماعية رهيبة، وما المظاهرات اليومية وإفلاس نظام التقاعد، إلا دليلاً على العجز الأوروبي عن مساعدة الأخ الشقيق . ولعل السبب الذي أوقع اليونان في هذه المصيبة، يوجد في معظم الدول الأوروبية، فاليونان كذبت فيما يخص معدل البطالة في البلد ومعدلات العجز في الميزانية وهو ما فعلته أيضا كثير من الدول الأوروبية . ومن هنا فالخلاص يجب أن يكون خلاصا فرديا، بغض النظر عن التضحيات الكبيرة التي يتوجب على الشعب اليوناني تقبّلها . وعلى الرغم من أن اليسار الحاكم، حاليا، لم يكن السبب الرئيس في هذه الأزمة، فليس من شك أن الشعب سيطيح به في أي استحقاق انتخابي قادم .
قرر رئيس الوزراء اليوناني إرساء سياسة تقشف صارمة، على الرغم من لا شعبيتها، وذلك من أجل توفير 8،4 مليار يورو أي ما يعادل 2 في المائة من الناتج السنوي اليوناني من أجل تقليص عجز الموازنة بنسبة 4 نقاط سنة 2010 . لا يستطيع بلد أوروبا الأقوى، أي ألمانيا، أن يقدم كبير شيء لليونان، فالمستشارة انجيلا ميركيل تتعرض لضغوط داخلية قوية، وقد عبرت عقب لقاء لها مع رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو عن تشجيعها للاجراءات اليونانية (مع التأكيد على أن اليونان لم تطلب مساعدات مالية من ألمانيا)، ومن هنا فإن باباندريو، لن يتورع عن إشهار خطر اللجوء إلى صندوق النقد الدولي . ويبدو أنه لن يكون ثمة مفر من هذا الحل . وهو ما سيناقشه مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في زيارته القريبة إلى واشنطن .
اليونانيون لا يتوانون عن المطالبة بتضامن أوروبي . والتهديد باللجوء إلى خدمات صندوق النقد الدولي، التي لا يريد قادة منطقة اليورو تصديقها، الغرض منها هو إتاحة الفرصة لبلد مستدين، كاليونان، أن يقترض بمعدلات لا تُسبّب له المزيد من الإفلاس . ومهما يكن من أمر، فإن المساعدة المالية، سواء أتت من دول منطقة اليورو أم من صندوق النقد الدولي، فإنها ضرورية جدا على الرغم من صرامتها غير المشهودة . والمستهدف الأول من مثل هذه الإجراءات هم موظفو القطاع العام (الذين يمثلون خمس السكان العاملين)، حيث إنهم سيفقدون شهر عمل من 14 شهرا ويفقدون 12 في المائة من التعويضات، وهو ما تعتبره نقابة الموظفين (أديدي) إجراءات “ظالمة” وتدعو إلى إضراب عام يوم 16 من الشهر الجاري .
في هذه الاثناء لا يبدو أن الرأي العام الأوروبي مكترث بالشأن اليوناني، فكل رأي عام مشغول بقضاياه الوطنية الداخلية . وليس غريباً أن نقرأ دعوات أوروبية لليونان لبيع بعض جزرها “الباذخة” لشراء أزمتها المالية والاقتصادية . ولكن يتوجب أيضاً استحضار أن العديد من الدول الأوروبية لا تزال تعاني من أزمات، كما هو الحال في إسبانيا والبرتغال ودول أوروبا الشرقية، وأخرى بالكاد ترى الضوء في آخر النفق، أي الخروج من فترة الركود الاقتصادي كما هو شأن فرنسا . واقع الحال هو أن حال اليونان مع باقي أوروبا تشبه حال غريق يستمسك بغريق . واليونان لا يمكنها سوى تنفيذ سياسات قاسية ولا شعبية، خلال بعض وقت، كما أن الشعب اليوناني سيقوم بتضحيات كبيرة، إلى درجة أن كثيراً من أطباق الأكل اليونانية سيغيب عنها اللحم لبعض الوقت . ربما في الأمر مبالغة، لكن الأمر ليس فيه ما يَسُرّ النفس . وما يكشف أن دول الاتحاد الأوروبي لا تنسق مواقفها، حين يتعلق الأمر بالمسائل الاقتصادية، وخصوصا مع اقتراب الانتخابات في بلدانها . فنحن نرى ألمانيا توقع اتفاقات شراكة اقتصادية وغازية ضخمة مع روسيا، من دون أخذ الانتقادات البولونية ودول البلطيق بالحسبان، ثم تأتي فرنسا لتعرض أسلحتها الأكثر تعقيدا وتطورا على روسيا، على الرغم من قلق الأمريكان ودول أوروبا الشرقية . لم يعد يهمّ ما يقوله الأوروبيون الآخرون، وإنما ساعات العمل التي ستوفرها هذه الصفقات . ونفس الشيء فعلته إيطاليا وغيرها مع الجماهيرية الليبية من اتفاقات ضخمة . وذهب الأمر بإيطاليا التي سال لعابها إزاء الاحتياطات الغازية والبترولية الليبية، إلى تخطي خط أحمر كولونيالي، وهو الاعتراف بمسؤوليتها عن الاحتلال الإيطالي لليبيا وقدمت تعويضات . وهو ما رأى فيه الفرنسيون سابقة يمكن أن تدفع الجزائريين، وقد دفعتهم بالفعل، إلى مطالبة فرنسا بتطبيق الشيء ذاته، أي الاعتراف بجرائمها . لم يطلب الجزائريون التعويض ولكنه لن يتأخر، لأنه قد يأتي من خلال صور واتفاقات وتمظهرات مختلفة .
الاتحاد الأوروبي يثير الكثير من الجاذبية على العديد من دول العالم والكثير من التكتلات . ولكن الكثير من مواطني الاتحاد لا يرونه يستحق كل هذا التأثير وهذا الافتتان . يرونه بطيئا وبرؤوس متعددة . ولا يرون للاتحاد الأوروبي سياسة خارجية موحدة، تكون أحيانا مطلوبة للتميز وللنأي عن السياسة الأمريكية . ولكن ما الذي يمكن أن تفعله الدبلوماسية الأوروبية إذا كانت رئيستها الليدي كاثرين اشتون (وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي) عمالية بريطانية؟ إضافة إلى ان هذه المسؤولة لا تعرف موضوعها، كما يجب، وقد ظهر الأمر خلال استجوابها من قبل النواب الأوروبيين .
الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط
الملاحظ لمسألة الصراع العربي “الإسرائيلي” أو الصراع “الاسرائيلي” الفلسطيني، يكتشف غياب رأي أوروبي يمكن الدفاع عنه . فرأي ألمانيا وإسبانيا مثلا لا يمكن أن يكون شبيها بالموقف البريطاني . بريطانيا تختفي خلف موقف اللجنة الرباعية، التي يترأسها توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، وهو موقف يخرج حركة المقاومة الاسلامية (حماس) من سياق الاتصالات، بسبب الشروط المجحفة التي يضعها أساسا للاتصالات، ومن بينها شرط الاعتراف بالكيان الصهيوني . ولقد لاحظنا الأمر خلال العدوان “الإسرائيلي” على غزة، إذْ في أوج الجرائم كان الموقف البريطاني، وبلير، هو دفع قيادة حماس إلى الاعتراف ب “إسرائيل” وكأنه كان موقفا دبلوماسيا وسياسيا رديفا للمشروع العسكري “الإسرائيلي” لتركيع حماس وليّ ذراعها .وفي ظل غياب رسمي عربي، عدا اقتراح مشروع سلام ولد ميتاً، وكأن الفلسطينيين كانوا محتاجين فعلا لقرار عربي أو انصاعوا له يوما، بمفاوضات “غير مباشرة” مع نتنياهو، رأينا مواقف متعارضة ومتناقضة ومتأرجحة، تثير الشفقة أحيانا . يعبر وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، عن رغبة فرنسا في الاعتراف بالدولة الفلسطينية حتى من دون تحديد الحدود النهائية، وتنضم إسبانيا، القريبة نسبيا من القضايا العربية مع وزير الخارجية ميغيل موراتينوس، عكس ما كانته مع خافيير سولانا القريب من وجهة النظر “الإسرائيلية”، للفكرة، ولكن سرعان ما يتدخل الرئيس الفرنسي ساركوزي ليُقْبِر الفكرة، نهائيا .وعلى الرغم من أن المانح الأكبر للمساعدات للسلطة الوطنية الفلسطينية يبقى هو الاتحاد الأوروبي، فهو يظل قزما سياسيا . ويستطيع وزير الخارجية “الإسرائيلي”، أفيغدور ليبرمان، بسهولة، أن يغير موقفا أوروبيا بسهولة تستدعي الإعجاب والدهشة . وقد رأينا مؤخرا الرئيس الإيطالي سيليفو برلسكوني وهو يعبر عن مواقف تتماهى مع مواقف “إسرائيل” الرسمية . ولن نستغرب أن يتغير الموقف الإيطالي إذا ما عاد اليسار إلى السلطة . ونفس الشيء في فرنسا، ففرنسا، زمن الرئيس السابق جاك شيراك، كانت أكثر انتقادا للعنجهية “الإسرائيلية”، في ظل وزير خارجية ورئيس وزراء كدومينيك دوفيلبان، أما الآن فلن تكون “إسرائيل” في أحسن حال مما هي عليه مع رئيس جمهورية ووزير خارجية فرنسيين متحمسين للرؤى “الإسرائيلية” . إن تذبذب المواقف الأوروبية ليس حكراً على المسألة الفلسطينية، فحين يتعلق الأمر بالعرب، بصفة عامة، نبدأ في رؤية مواقف عديدة ومتأرجحة . فالموقف من ليبيا ونزاعها مع سويسرا يوضح غياب التآزر الأوروبي، إذ لا يمكن لإيطاليا أن تضحي بمصالحها الليبية وتعبر عن دعم للجارة سويسرا، ونفس الشيء فعلته إسبانيا ودول أخرى آثرت الصمت . والمشكلة أن الموقف الأوروبي لا يعبر عن إجماعه ووضوحه حتى حين يتعلق الأمر بالعلاقة مع بلد عربي صديق، كالإمارات، في قضية اغتيال أحد قادة في أحد فنادقها . فالأوروبيون لم يستطيعوا استصدار موقف يدين الوقاحة “الإسرائيلية”، بشكل مباشر، وفضلوا إدانة مسؤول غير مصرح باسمه، على الرغم من أن العديد من الدول الأوروبية أصيبت في كرامتها الوطنية حين لجأ عملاء الاستخبارات “الإسرائيلية” إلى استخدام جوازاتها المزورة .
كان الراحل الجنرال شارل ديغول، وهو الذي بنى قوة الردع النووية الفرنسية، باعتبارها نواة للاستقلالية الأمنية الأوروبية، كما أنه من أسهم في إزالة الصقيع من العلاقات من ألمانيا، مؤثرا بناء الاتحاد الأوروبي معها، يدا في يد، متجاوزا سنوات الصراع الدامي، ينظر بعين الريبة إلى الجار البريطاني . وعلى الرغم من مضي وقت طويل على تدشين قطار الوحدة الأوروبية، فلا تزال بريطانيا تعرقل الاتحاد الأوروبي، في كثير من المجالات، ومن بينها الجانب المالي (رفضها للعملة الأوروبية) والعسكري والسياسي (خضوعها اللامشروط للاملاءات الأمريكية: احتلال العراق وكوسوفو وغيرهما) . . . ومثلما كان ديغول يقارع الأمريكيين باسم الاستقلالية الفرنسية، رأينا قبل سنوات دومينيك دوفيلبان يقارع الأكاذيب الأمريكية الوقحة، وعلى الرغم من السياسة الأطلسية (والبوشية) التي دشنها ساركوزي، فلم يكن المقابل الأمريكي في المستوى . فقد رأينا الولايات المتحدة، في مؤتمر المناخ، وهي تتحالف مع الصين من أجل إجهاظ المؤتمر، بدعم خفي، يكاد يقول المريب خذوني، من أطراف أوروبية .ولعلّ النجاح الأوروبي الوحيد، في حالة وصفه نجاحا، يتمثل في إرسال جنود أوروبيين للموت في وديان وشعاب وجبال أفغانستان، في حرب لا يعرف أحد من مواطني أوروبا فائدتها ولا تاريخ انتهائها .وحتى هذه الحرب ما كان لها أن تحظى بدعم أوروبي لولا الابتزاز الأمريكي المتمثل في هذه الجملة السحرية: “مَنْ ليس معي فهو ضدي” . وعلى الرغم من التضحيات الكبيرة التي أصبحت تُرى بالعين المجردة، بعيدا عن حرب الصور، من خلال كثرة الضحايا، فإن أمريكا استطاعت أن تغرس في عقول القادة الأوروبيين أن أفغانستان، بعد أي انسحاب غربي منها، قادرة (بل يقينا أنها ستفعل) على تصدير الارهاب إلى عواصم العالَم الحر . وكيف لا يجب تصديق الحقيقة الأمريكية، خصوصا حين نعلم أن المسؤول، في نظر أمريكا، عن اعتداءات 11 سبتمبر/ أيلول ،2001 أي أسامة بن لادن وأعوانه، لم يتم بعد اعتقالهم أو شنقهم؟
حقا إن طريق الاتحاد الأوروبي لا تزال محفوفة بالأشواك . وستظل هذه الأشواك، وأخرى تنضم للرزم الموجودة، خلال فترة طويلة . ولعلّ من بينها، شوكة الانضمام التركية للاتحاد، حيث نرى، من جديد، استقطابا جديدا: رفض ألماني وفرنسي وموافقة إسبانية وبريطانية . هل هذا، بالفعل، هو كل ما يستحقه بلد ضحى بأمنه واقتصاده، من أجل الدفاع عن أوروبا “الحرة” ضد الشيوعية العالمية؟ لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن ينجح إلا إذا حسم أمره تجاه الضغوط البريطانية والأمريكية، وإلا كيف نرى اليونان تستنجد بالولايات المتحدة في أزمتها العاصفة . ومن أجل تحقيق هذه الأشياء يتوجب أن ننتظر طويلا .