إستراحة الأسبوع
إطلالة
الإسلام والعمل آخر تحديث:الجمعة ,12/03/2010
د . أسماء العويس

توضح مراجعة القرآن الكريم أن العمل يظفر بمكانة رفيعة وأهمية بارزة بين أسس وقيم ومبادئ الإسلام، ومن دلائل الاهتمام بأمر أن يتكرر ذكره وأن تتعدد اشتقاقاته .


وإذا رجعنا إلى القرآن سنجد أن كلمة “العمل” من أكثر الكلمات وروداً وذكرت مراراً وتكراراً، واستخدمت مشتقاتها العديدة في ما وضعت له فأشار القرآن إلى عمل 19 مرة، وعملوا 73 مرة، وتعملون 83 مرة ويعملون 56 مرة، وأعمالهم 27 مرة ويعمل 14 مرة، فضلاً عن بقية المشتقات التي ذكرت مرات أقل مثل عملت - أعمل - يعمل - عملاً - عملكم - أعمالكم - أعمالنا . ويصل مجموع هذه الإشارات إلى ما يقارب 330 مرة .


وحديث المفلس يوضح لنا أهمية العمل في مقابل العبادة وكيف أن العبادة لا تغني عنه، ونصه “أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصوم وزكاة، وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار” . فهذا الحديث يجمع ما بين الإيمان والعمل ويوضح أنه حتى تعبيرات الصدقة والصلاة والإيمان والجهاد والمسلم والمؤمن تتسع لصنوف من الأعمال مستقلة عن العبادات قدر ما هي متصلة بممارسات من صميم الحياة العملية واليومية للناس، بل إن العبادات نفسها تحكم بهذه الممارسات والأعمال وتقاس بها حتى إن شملت أدنى الأعمال وامتدت إلى الحيوان والجماد .


ولعمر رضي الله عنه أقوال معروفة في الحث على العمل فهو الذي قال لأناس وجدهم في المسجد تاركين العمل “لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول “اللهم ارزقني”، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة” . وقال “إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول أله حرفة؟ فإن قالوا، لا، سقط من عيني، وقد كان هو الذي عندما مر بقوم من القراء فرآهم جلوساً في المسجد قد نكسوا رؤوسهم فقال: من هؤلاء؟ فقيل المتوكلون فقال كلا ولكنهم المتأكلون ، يأكلون أموال الناس ألا أنبئكم من المتوكلون . قيل: نعم، قال: هو الذي يلقي الحب في الأرض ثم يتوكل على ربه” . وقال أبوقلابة لرجل لأن أراك تطلب معاشك أحب إلي من أن أراك في زاوية المسجد . . وسئل النخعي التاجر الصدوق أحب اليك أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: التاجر الصدوق، أحب إلي لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء، وقد دأب المسلمون على التثبت من الجمع بين العلم والعمل، فذكر الإمام الشافعي في “الرسالة” والغزالي في “الإحياء” أن المكلف لا يجوز أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه .


وقال القرافي في “الفروق” فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع، ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله في الإجارة، ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله في القراض . وقال العلماء لا يجوز أن يتولى البيع والشراء ويجلس في السوق لذلك إلا العالم بأحكام البيع والشراء، وأن تعلم ذلك لمن أراده فرض واجب متعين عليه . وبعث عمر من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه، وكان مالك يأمر الأمراء فيجمعون التجار والسوقة ويعرضونهم عليه فإذا وجد أحداً منهم لا يفقه أحكام المعاملات ولا يعرف الحلال من الحرام أقامه من السوق، وقال له تعلّم أحكام البيع ثم اجلس في السوق، فإن من لم يكن فقيهاً أكل الربا . وكان التجار في القديم إذا سافروا استصحبوا معهم فقيهاً يرجعون إليه في أمرهم .


وحقيقة أن العمل، كما توضح الآيات والأحاديث الشريفة هو مصداق الإيمان ومعيار الثواب والعقاب ولأن الإسلام دين حياة ومجتمع وهو يرسي أسساً محددة في الاقتصاد والسياسة، ويتطلب مستويات معينة في التصرفات والمعاملات، فلا بد أن يكون العمل هو المحور والمعيار داخل الإطار الواسع للإيمان، ومن دون ذلك لا يمكن للمجتمع أن يكون قوياً متماسكاً سليماً، ولا يمكن أن تتوفر له القوة والمنعة والعزة والحماية، بل لا يتوفر له العلم الذي هو في أساس الإيمان “إنما يخشى الله من عباده العلماء”، وعندما أهمل المجتمع الإسلامي “العمل” أو أساء فهمه فإن هذا المجتمع هوى بسرعة وتراجع أمام المجتمعات التي أخذت بأسباب العمل . ولو أمعن المسلمون النظر في قرآنهم لفهموا العمل . حق الفهم ولما كان لهم عذر في الخلط ما بين “العمل” و”العبادة” أو الظن بأن العمل إنما يراد به الصلاة والصيام . فالذين يريدون معرفة العمل الحقيقي فليأخذوا اليابان أو كوريا مثالاً ويتفقدوا عملهم فهؤلاء يؤمنون بأن العمل عبادة ويمارسونه بالتركيز واستحضار القلب، فالمصنع له قداسة المسجد والعمل عبادة له استغراق العبادة، والعمال يتقربون إلى الله بالإنتاج لأن هذا الإنتاج يملأ البطون الجائعة، ويكسو الأجسام العارية، ويشفي الأبدان المريضة .


a-alowais@hotmail .com

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008