من أبرز وأهم القضايا التي تم تداولها في الدورة العشرين لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب قضية قرصنة الكتب وحقوق الملكية الفكرية، وهي قضية ذات متابعة واهتمام دولي من جانب مؤسسات مرموقة مثل اتحاد الناشرين الدوليين وبقية الاتحادات الاقليمية ذات الاختصاص، ومن وسط هذا الاهتمام والمتابعة تأتي دولة الإمارات العربية المتحدة في موقع الدولة الرائدة في مكافحة القرصنة واحترام حقوق الملكية الفكرية، وقد تبلور دور الإمارات في هذا المجال الحيوي خلال المؤتمر الدولي للناشرين الذي انعقد في أبوظبي ضمن فعاليات معرض الكتاب في هذه الدورة التي ظهرت خلالها صيغة جديدة للمعرض، كما ظهرت مؤشرات تنظيم واستقطاب عالمي لمفكرين وكتّاب وأدباء عرب ومن العالم وصل عددهم أزيد من الألف، إلى جانب أن المعرض وبوصفه تظاهرة ثقافية إماراتية عربية ودولية، ضمّ في فعالياته تظاهرات أخرى ترفع من اسم الإمارات وتضعه بقوة في خريطة حركة الثقافة وصناعة النشر . . مثل الحدث الكبير، وهو جائزة الشيخ زايد للكتاب وعلى رأس الفائزين بها في فرع شخصية العام الثقافية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، الذي دفع بكل دعمه المادي والمعنوي والشخصي نحو ترسيخ بنية ثقافية إماراتية تهتم جذرياً بالتنمية الموجهة إلى الإنسان، وذلك من باب الثقافة وتجلياتها الحضارية في أكثر من مشروع ريادي ثقافي رعاه وسانده صاحب السمو حاكم الشارقة .
معرض أبوظبي الدولي للكتاب، إلى جانب معارض الكتب الأخرى، التي تنظمها مؤسسات الثقافة في الإمارات أوجدت، وعبر تراكم خبراتها السنوية صورة متقدمة للعمل الثقافي في الإمارات، ونشأ من قلب هذا التراكم مؤسسات جديدة معنية بالكتاب وصناعته وتوزيعه وحقوقه المادية والقانونية، ومن ذلك اتحاد الناشرين الإماراتيين الذي تتولى رئاسته بكفاءة عالية ونشاط محلي ودولي ملحوظ سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، التي عملت وفي فترة قياسية على انضمام اتحاد الناشرين الإماراتيين إلى عضوية الاتحاد الدولي للناشرين، وهو إنجاز ينبغي أن يلقى كل احترام وتقدير من الوسط النشري والثقافي العربي إذا عرفنا أن هذه العضوية العربية الإماراتية هي من بين حوالي خمس عضويات عربية فقط في الاتحاد الدولي للناشرين الذي له معاييره ومقاييسه العلمية والدقيقة لمثل هذه العضوية .
يأتي هذا الكلام ليقدّم إلى النقطة الرئيسية التي نضيئها اليوم بمناسبة معرض أبوظبي الدولي للكتاب، وهي مرة ثانية، قضية قرصنة الكتاب، فاتحادات الناشرين، ومن بينها اتحاد الناشرين الإماراتيين معني بامتياز بهذه القضية، كما هو معني بقضية حماية حقوق الملكية الفكرية، وإلى جانب ذلك تشدد وزارة الاقتصاد في الإمارات الاجراءات القانونية والتفتيشية المباشرة حيال قرصنة الكتب، وفي عام 2009 أطلقت الوزارة الحملة الوطنية لحقوق الملكية الفكرية التي تركز، كما قال المهندس محمد أحمد بن عبدالعزيز الشحي مدير عام وزارة الاقتصاد . . “ . .على التعريف بالقوانين الاتحادية المطبقة في دولة الإمارات والاتفاقيات الدولية والمعاهدات المعمول بها حول حماية حقوق الملكية الفكرية، وتسهم في حماية الابداع والانتاج الفكري عبر مكافحة الغش والتزوير” .
هذه الاجراءات في الإمارات هي اجراءات عملية وفورية، وتتجاوز الاتفاقيات والمعاهدات الموجودة على الورق إلى حيز التنفيذ والاجراء القانوني السريع، وفي الدورة الحالية من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، خرقت إحدى دور النشر هذه القوانين، وتم اكتشافها في المعرض، وتم اتخاذ اجراء مباشر في حقها وتم اغلاق جناح الدار في المعرض .
المثقف الإماراتي والعربي، وأي كاتب ومشتغل في حقل انتاج المعرفة والفكر والثقافة والابداع يسعده حقاً أن تكون الإمارات دولة رائدة في حقل محاصرة القرصنة ومكافحتها والعمل على حماية الحق الفكري للكاتب وحماية أفكاره وإبداعه من السطو والاستنساخ والمتاجرة غير القانونية وغير الأخلاقية، هذا ما تفعله الإمارات اليوم وفق قوانين واتفاقيات ومعاهدات واضحة وشفافة تؤشر كلها على خطوة متقدمة تماماً في هذا المجال بين كل بلدان العالم . ولكن هل يكفي أن يكون دور حماية الفكر وحماية الكتب من القرصنة محدوداً في وزارات الاقتصاد العربية وفي قوانين اتحادات الناشرين العربية والعالمية؟ نتساءل هنا، أين دور اتحادات وروابط وجمعيات الكتّاب والأدباء في الوطن العربي على وجه التحديد؟ وبالأخص أين دور الاتحاد العام للكتّاب والأدباء العرب؟ فهو جهة ثقافية صاحبة اختصاص، ومن هذا الموقع للاتحاد وغيره من اتحادات ومؤسسات ودوائر ثقافية ينتظر الكتاب والمثقفون العرب ان يتم التنسيق مع الوزارات العربية المختصة لتأكيد قانونية مكافحة القرصنة في أي مكان في العالم، بحيث يشعر الكاتب العربي على وجه الخصوص أن حمايته ممكنة، وأن حقوقه لن تذهب هدراً، وأن هناك من يسهر على حق الكاتب في الابداع وفي الحياة أيضاً .
عشرات، بل، مئات الكتّاب العرب تضيع حقوقهم بتلاعب غير مشروع وغير أخلاقي، ولكن المؤشر الذي ينطلق من الإمارات بيّن أن مرحلة جديدة من الحماية الفكرية والابداعية هي عمل جاد وقانوني هنا في الإمارات بلد الثقافة ورعايتها وتنشيطها الدائم من عام إلى آخر .