اللغز الكبير الذي سيسيطر على جدول أعمال العام الجديد 2009 هو: مستقبل سوريا، أو بالأحرى مصير الدور السوري في الشرق الأوسط.
لماذا سوريا؟
لأنها ستخرج من سنة 2008 كما دخلتها: بقعة رمادية في منطقة تشهد استقطاباً حاداً بين اللونين الأزرق الأمريكي والأخضر الإيراني، أو دولة تقبع في منزلة بين منزلتين في عالم يفترض أنه أصبح منزلاً واحداً.
سوريا خلال السنتين الماضيتين كانت في جدول أعمال كل الأطراف المتصارعة في الشرق الأوسط. فهي حليف إيران الأول (والأخير) في المنطقة، والداعم الرئيسي لحزب الله، والمساند الكبير للجناح الخارجي في حركة حماس. وهي أيضاً المفاوض مع “إسرائيل”، والصديق المستجد لفرنسا، والجار البار لتركيا، والمحاور السري مع دوائر أمريكية عدة في وزارة الخارجية وغيرها من الدوائر.
الاستثناء الوحيد في كل هذا الجمباز الدبلوماسي كان أزمة علاقات دمشق مع الرياض، التي لا يزال الغموض يلف أبعادها وأسبابها ومراميها. فإذا ما كانت دمشق قادرة على جمع هذا الصيف وذاك الشتاء تحت سقف واحد، فلماذا لم تتمكن من ضم الفصل السعودي إلى بقية فصول السنة المتعايشة الآن على تلال قاسيون؟
على أي حال، ليس هذا هو سؤالنا الآن. السؤال الأهم هو: كيف ستحسم دمشق أمورها في الأشهر المقبلة بين هذين المعسكرين المتعارضين، وهو حسم سيكون بعد حين إلزامياً للأسباب الآتية:
1 - تسارع الخطى في “إسرائيل” للعمل على تغيير طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، أساساً عبر السلام مع سوريا وقبول المبادرة العربية. وهنا سيكون مثيراً معرفة مدى تأثير المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية”، الدافعة في هذا الاتجاه، في قوى اليمين الإيديولوجي “الإسرائيلي”، وعلى رأسه الليكود.
2 - موقف تل أبيب من أية اتفاقات إيرانية - أمريكية محتملة انطلاقاً من العراق، واحتمال أن يدفعها الخوف من تسويات على حساب زعامتها المنفردة في الشرق الأوسط، إما إلى عرقلة هذه الاتفاقات أو إلى العمل على قلب المعادلات في المنطقة عبر السلام مع سوريا.
3 - وأخيراً، احتمال تفاقم الصراع التاريخي الشهير على سوريا في الأشهر المقبلة، بوصفها بيضة الميزان في كل توازنات الشرق الأوسط.
كل هذه المعطيات تعني أمراً واحداً: مستقبل سوريا، أو بالأحرى موقع سوريا في لوحة الشطرنج الشرق أوسطية، قد يتحدد نهائياً خلال الأشهر القليلة المقبلة. لكن هذا التحديد لن يحدث لا بفعل خيارات الإدارة الأمريكية الجديدة، حتى لو جنحت إلى فتح حوار مباشر مع دمشق في إطار سياساتها العراقية الجديدة، ولا بقوة خيارات الأجنحة السورية وصراعاتها، بل بما ستتمخض عنه الاجتهادات “الإسرائيلية” حيال طبيعة الصراع الجديدة في الشرق الأوسط ومعها طبيعة التحالفات التي يجب أن توظّف في هذه الصراعات.
كل الأنظار إلى ما يجري حالياً في “إسرائيل”.