الخليج الثقافي
الحرف العبري فشل كعنصر تشكيلي
"الإسرائيليون" لصوص الموروث أيضاً آخر تحديث:السبت ,13/03/2010
عمران القيسي

1/1

ضمن سياق ردود الأفعال المباشرة على الإجراء “الإسرائيلي” الذي قضى بضمّ الحرم الإبراهيمي وقبّة راحيل إلى التراث اليهودي، بدأت تنشر في بعض الصحف والمجلات الغربية، ذات الاتساع الأكاديمي، دراسات ومقالات متنوعة، بعضها يحكي بشكل غير مباشر عن الميراث الديني والثقافي العام والهائل لليهودية في الشرق الأوسط عامة، وفي فلسطين بشكل أخص، الأمر الذي يوحي بأن وراء عملية الاستيلاء جهازاً متكاملاً، قوامه قرار سياسي داعم ومعزز بقوى سياسية نافذة ومسيطرة . ثم لا بدّ أن يحاط هذا القرار السياسي بقوة تأويلية قوامها مجموعة من الباحثين الاكاديميين، والمؤرخين والكتّاب إضافة إلى جيش من الصحافيين .


إنها العدة المتكاملة لقوة التزوير والسلب، وهي قد اتخذت لذاتها موقعاً او مواقع عديدة، هجومية الطابع: بمعنى انها تدفع الجانب المعتدى عليه لأن يقف منذ البدء في خانة الدفاع، وأن عليه أن يجيب عن أسئلة تتعلق بكيفية سطوه التأريخي على الميراث اليهودي، قبل أن يدعي ضد “إسرائيل” بتهمة سرقة تراثه الإسلامي او العربي .


ومن جملة الوقائع التي سجل فيها واحدة من أكبر المغالطات الصهيونية قضية “مجلد تأريخ الطوفانات في العراق”، للكاتب والمؤرخ العراقي الراحل “أحمد سوسة” .


فهذا المؤرخ الكبير هو عراقي من أصل يهودي، اعتنق الإسلام ومات مسلماً حسب بعض المعلومات شبه المؤكدة، لكن مؤلفه الكبير الذي يبدأ بتدوين الطوفانات قبل عهد النبي نوح عليه السلام استناداً إلى ما هو مدوّن في العديد من الألواح المسمارية، يرجع الجانب الأسطوري من هذه القصص إلى الفكر السومري، بل إن أسطورة الطوفان كما عثر عليها مدوّنة مع الواح “راس شمرا” في العراق، وهي التي اعتمد عليها أحمد سوسه تؤسس لفكر تأملي عراقي شرقي جديد، وهذا ما حاولت أن تحرفه بعض الكتابات “الإسرائيلية” حين تشير إلى أن المؤرخ سوسة ألمح صراحة إلى الفكر اليهودي، وهو أمر يدحضه واقع النص . ان ما كتب في الصفحات 277 حتى 283 من “الانسيكلوبيديا” التي تحمل اسم Mythodology، هو تزوير للتأريخ، لأن اسطورة الطوفان ليست أسطورة توراتية بل سابقة لظهور التورات البابلية التي كتبت في عهود متأخرة، والبطل السومري “جلجامش” ليس اختراعاً توراتياً، بل هو وجود سابق لكل ما هو توراتي .


ندرك من ذلك بأن تحريف النص بل سرقته اعتماداً على غفلة الجمهور والقراء، عملية عادية في الواقع التدويني “الإسرائيلي” الحديث .


وحين الحديث عن الإبداع التصويري الشرقي، وبالأخص لدى العراقيين الذين استهدفوا كثيراً في الآونة الأخيرة، فإن الثقافة اليهودية هي حالة نكران لكل ما تأسس من قبل المصورين العراقيين القدماء، خصوصاً أنهم ركزوا في إبداعهم التصويري على طريقة التشكيل “البارليافي” النافر، وهو أمر ورد فيه نص تحريمي واضح في العهد القديم “الإصحاح الحادي عشر” .


انك لا تحرم نصاً إلا إذا كان سابقاً لقرار التحريم، فالقاعدة تقول حسب التسلسل المنطقي بأن النص أولاً، ثم رد الفعل حياله، ثم قرار التحريم الصادر ضده، فكيف استطاع بعض المؤرخين “الإسرائيليين” ان يقلبوا المعادلة ويتحدثوا عن ميراث إبداعي يهودي في أرض بابل، وهم جيش من السبايا الذين أسرهم “نبوخذنصر” في واقعة السبي البابلي؟


في فلسطين، وحين بدأت الهجمة على الميراث الإسلامي لتدميره أو على الأقل لتحريفه وسرقته، بدأت كتابات أولية لبعض مفكري اليهودية الصهيونية الحديثة، عن التأمل اليهودي كمصدر من مصادر الإلهام، والذي سرقه المسلمون من اليهود وأسسوا بموجبه صروحاً فكرية تمثلت بالنصوص الصوفية، وصروحاً معمارية تمثلت بالمسجد والقبة والبناء المربع الذي تغطيه نصف كرة سماوية؟


نستشهد بعالم النفس البريطاني “ميشيل ويست” الذي أكد أن ثمة رابطة بين التأمل وقضايا تتعلق باللياقة والرفاه والعاطفة، ذلك أن التأمل حسب رأي “جون وولوود” يبرهن على المقدرة على اكتشاف أكبر قدر من الوعي والحيوية الزاخرة في داخلنا .


ربما لهذا السبب كان التأمل الصوفي تأملاً إيجابياً، لأنه يؤمن النقلة من الاحوال إلى المقامات، من الثابت إلى المتحرك، ولهذا السبب فإن الفنون الإسلامية التي ابتكرت من خلال تلاقح الثقافات المكتسبة وعمق الثقافة الايمانية الروحية لدى المسلم، هي نتاج طبيعي لمسعى إبداعي خالص، فيما التأمل التوراتي هو أقرب إلى ترداد “المانترا” عند الفكر المهاريشي الهندي، فالنص التوراتي ليس نصاً تفسيرياً، بل نصاً حكواتياً، يروي حدثاً تأريخياً فحسب .


إن الهجمة “الإسرائيلية” على كل اثر إسلامي في فلسطين هي هجمة على الإبداع العربي  الإسلامي الذي منح هذه البقعة هويتها التأريخية .


إن المأساة ليست في فلسطين فحسب، بل هي مأساة أشمل وأعمق، فإذا أردنا أن ندافع فعلاً عن التأريخ الإبداعي لأمتنا ولأوطاننا، ولكي نتجنب تجربتي العراق وفلسطين، حيث التدمير المنهجي للموروث العربي الإسلامي، فعلينا أن نذهب إلى جوهر الصراع وأولوياته . فقد بدأ أصلاً خلال الفترة الكولنيالية أي أواسط وأواخر القرن التاسع عشر، حين سعت قوى أوروبية إلى طمس معالم الحضارة الإسلامية وبخاصة الإبداع الإسلامي والتصوير بشكل أخص . كل ذلك مقابل قوى تنويرية عربية نهضوية سعت في ذلك الوقت إلى انبعاث جديد للحضارة الإسلامية  العربية .


وإذا راجعنا بعض الكتابات الغربية التي ظهرت في أوروبا، فإننا سوف نكتشف عمق العداء والمخاوف من الانبعاث الحضاري الإسلامي والعربي، وها هو بلزاك في كتابه “الابن الملعون” يقول: إن الفن العربي لا يخاطب الحواس ولا النفس، بل يتوجه إلى الإدراك العقلي فقط، الأمر الذي جعله فناً عقلياً بعيداً عن الحسي، ومعادياً لكل ما هو ذوقي يحتاجه الإنسان في حياته اليومية” .


أما “كومباريو” فيرد على نظرية الأصول التجريدية للفن العربي القديم والتي أطلقها “هافسليك” معلناً: ان التقارب مستحيل بين الموسيقا والتجريد العربي، لأن عملية التأليف في الفن العربي لا تحمل أية فائدة شعورية وأية قدرة على الإثارة العاطفية .


بالطبع يجب عدم إهمال الكتابات الأوروبية المنصفة، وهي كثيرة ومتنوعة، وها هو الناقد “غاييه” يثبت في كتابه الصادر في باريس والذي يحمل عنوان “الفن العربي” فيقول: إن الدوائر الهندسية إذا كانت زواياها المتعددة مزدوجة، فإنها توقظ في النفس مشاعر عميقة مطبوعة بطابع الصفاء، العذب، أما إذا كان عدد زواياها مفرداً فإنها تبعث على الحزن والقلق، وان الصورة المتكونة من الجمع بين المربعات والمثمنات تبعث على فكرة السكون الأبدي، أما تلك التي تنبثق من الأشكال ذات الزوايا التسع فإنها توقظ احساساً مبهماً بالغ الاضطراب” .


إن فناناً “إسرائيلياً” حاول منذ الخمسينات إدخال الحرف العبري في اللوحة التعبيرية “الإسرائيلية” . لكنه لم يوفق إلا في إنتاج بعض الأعمال البوسترية البسيطة، فيما سنرى بأن إدخال الكتابة العربية كعنصر تشكيلي يقوم بمهمة زخرفة اللوحة، فإنه يمنحها ويمنح الحرف طاقات تعبيرية إضافية . إن الحرف العربي يصلح لأن يكون “ثيمة” تجريدية، لكنه هو الذي يمنح اللوحة طابعها العربي الشرقي الذي لم يتوصل إليه الفن التعبيري “الإسرائيلي” المعاصر .


مع ذلك فإن مصادرة الموروث الإبداعي العربي في فلسطين، يجب أن يعزل عن فكرة مصادرة الموروث الديني الإسلامي، فالمسألة تتعلق بالأرض لا بالتجريد، والمكان المسجد أو المكان القبة أو المكان المتحف أو البناء الأثري، هو حضور معزز بسلطة الفنون المكانية سواء أكانت هندسية أم تشكيلية، وهم يصادرون موروثنا الإبداعي المكاني بكل محتوياته.

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008