عبر العراقيون يوم الأحد الماضي تحدياً كبيراً جداً كان كثيرون يراهنون عليه دولياً وإقليمياً، فضلاً عن الصراعات المحلية بين الكتل والائتلافات والأحزاب والشخصيات التي شاركت في الانتخابات البرلمانية، وذلك من خلال توجههم وبكثافة إلى صناديق الاقتراع في جميع المحافظات العراقية من أجل اختيار 325 برلمانياً للبرلمان الجديد .
وقد ساد الساعات الأولى للانتخابات نوع من المخاوف بسبب قيام جهات مجهولة برمي قذائف هاون وصواريخ “كاتيوشا” على بعض الأماكن القريبة من مراكز الاقتراع، فضلاً عن تفجير عبوات ناسفة وقنابل صوتية وتفجير أكثر من عمارة سكنية في بغداد ومحاولة تعكير أجواء الانتخابات في الفلوجة والموصل . إلا أن العراقيين تحدوا كل هذه الأفعال ومسمياتها التدميرية وتوجهوا إلى صناديق الاقتراع بهدف إجراء التغيير الحقيقي على واقعهم الراهن الذي فيه الكثير من المشاكل والإرهاصات .
هناك توقعات كثيرة تشير إلى أن عُقداً كثيرة ستواجه العراقيين في الأشهر المقبلة، منها ما يتعلق باحتمالات تصاعد عمليات العنف في البلد أو بخصوص تأخر تشكيل الحكومة المقبلة بسبب عدم وجود كتلة تستطيع أن تشكل الحكومة بمفردها . فضلاً عن ذلك فإن الكتل السياسية تريد أن يكون شخص رئيس الحكومة المقبل مقبولاً من دول الجوار ومن غالبية الشعب العراقي . ومثل هذا الشخص لا يمكن توافره الآن من قبل الأشخاص الذين يحتمل ترشيحهم لتولي تشكيل الحكومة المقبلة . فمن تجده مقبولاً في دول الجوار تجد من يرفضه في الداخل، ومن تجده مقبولاً عند شرائح كثيرة من المجتمع العراقي تجده غير مقبول لدى دول الجوار، وهذه الجدلية معقدة كثيراً ربما تحتاج إلى بروز رجل تسوية يتميز بالميزتين حتى يخلص العراق وشعبه من هذه الجدلية .
تنافس شديد
بينت النتائج الأولية التي أعلنتها بعض الكيانات، وهي نتائج غير معتمدة لكن يمكن اعتبارها قريبة من النتائج النهائية التي ستعلن من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، أن التنافس كان كبيراً بين ثلاث قوائم في المحافظات التي لا تقع ضمن محافظات إقليم كردستان، وكما توقعت “الخليج” من قبل . وهذه القوائم هي ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وكتلة “العراقية” بزعامة رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي، وقائمة الائتلاف الوطني العراقي بزعامة عمار الحكيم . وهذا التقارب في النتائج أكد بالدليل القاطع حاجة السنوات الأربع المقبلة إلى التحالفات التي ستكون تحالفات “مصلحة ومنافع” . لأنه لا توجد جهة تنفرد تماماً بتشكيل الحكومة المقبلة من دون أن تتحالف مع كتل أخرى، وهذا الأمر سيعيد ثانية مبدأ التوافق الوطني لكن بشكل أفضل من السابق، على اعتبار أن جميع الائتلافات الفائزة لم تعد مغلقة طائفياً أو أثنياً مثلما كانت في انتخابات عام ،2005 ومثل هذا الأمر سيساعد على غياب البيئة الطائفية والعرقية عن هذه الائتلافات بشكل كبير جداً، لأنها لا تستطيع أن تهاجم الأطراف الأخرى بسبب تواجد التنوعات المختلفة في الكتلة الواحدة .
غياب اعتراف المهزوم
تمنى الكثير من المثقفين العراقيين وأبناء الشعب العراقي أن يعترف الذين لم يحققوا النجاح في انتخابات الأحد الماضي بترسيخ ثقافة المهزوم في الديمقراطية العراقية مثلما يحدث في الكثير من الانتخابات الديمقراطية في العالم . حيث يبادر الطرف الخاسر إلى الاعتراف بهزيمته وتهنئة خصمه الفائز . لأن مثل هذه الثقافة ستساعد كثيراً على تأسيس نهج ديمقراطي صحيح في وادي الرافدين قد تستفيد منه الأحزاب والائتلافات والشخصيات التي ستشارك في الانتخابات المقبلة . لكن الذي حدث كان مغايراً تماماً لمثل هذه الثقافة، حيث إن بعض الكتل التي شعرت بإنها لم تحقق ما كانت تطمح إليه بدأت تشكك في حصول عمليات تزوير في الانتخاب والأسباب مختلفة . وكان على هذه الكتل وبحسب أمنيات المثقفين العراقيين أن تنتظر على الأقل قيام مفوضية الانتخابات بإعلان النتائج الأولية ومن ثم تقوم بإطلاق تصريحاتها .
وضع العربة أمام الحصان
ومن الأمور الغريبة التي رافقت انتخابات الأحد الماضي والتي لم تكن سائدة في جميع عمليات الانتخابات الثلاث السابقة التي جرت في العراق بعد الاحتلال، وهي انتخابات الجمعية الوطنية والانتخابات البرلمانية في عام ،2005 وانتخابات مجالس المحافظات في مطلع العام الماضي، هو ما جاء على لسان عدد لا بأس به من قادة “الكتلة العراقية” في العديد من المحافظات الذين استغلوا منبر أحدى الفضائيات العراقية ليؤكدوا حصول كتلتهم على المركز الأول في جميع المحافظات العراقية باستثناء محافظات إقليم كردستان، كأن ما قام به هؤلاء القادة هو عبارة عن تبليغ مركزي من قبل قيادة القائمة في بغداد والهدف منه التشكيك في النتائج اللاحقة التي ستعلنها المفوضية لاتخاذ خطوة لاحقة حسب تخطيطهم، تتمثل بعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات ومن ثم الطلب من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وبعض الدول العربية عدم الاعتراف بها . وقد تأكد هذا الأمر من خلال خطاب رئيس الكتلة العراقية المتلفز إياد علاوي الذي شن فيه هجوماً استباقياً على مفوضية الانتخابات وحذرها بشكل شديد من التلاعب بنتائج الفرز والعد، ومن ثم دعا البرلمان العراقي المقبل إلى تشكيل لجنة لمحاسبة هذه المفوضية، وهو بذلك حاول أن يضع العربة أمام الحصان لكي يطعن في نزاهة الانتخابات حتى قبل إعلان النتائج .
لكن سرعان ما تبدد هذا المخطط وانتهى تماما بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما إشادته الكبيرة بالانتخابات العراقية، وثناءه على شجاعة العراقيين في مجابهة كل التحديات في الذهاب إلى صناديق الاقتراع . ومن ثم الإشادة الكبيرة بها من قبل الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وكثير من الدول الأخرى .
وبعد هذا الاعتراف الكبير بنجاح الانتخابات العراقية بدأ خطاب “الكتلة العراقية” يتجه إلى الهدوء والاتزان مع وجود محاولات من هذا الطرف أو ذاك لاتهام مفوضية الانتخابات ببعض التهم . لكن المؤشر العام يشير إلى وجود حسابات جديدة لدى قادة “الكتلة العراقية” تختلف كثيراً عما أعلنوه في يوم الانتخابات . وستظهر هذه الحسابات بشكل واضح وجلي للجميع بعد إعلان نتائج الانتخابات من قبل المفوضية .
التحالفات المقبلة
لاشك في أن إعلان نتائج الانتخابات الأولية ومن ثم المصادقة عليها سيكشفان بصورة واضحة صورة الائتلافات المقبلة التي ستتولى تشكيل الحكومة العراقية المقبلة والتي ستكون حكومة مشاركة وليست حكومة وحدة وطنية مثلما هو الحال مع حكومة المالكي الحالية . لكن هناك سيناريوهات عديدة رسمت لطريق التحالفات المقبلة . ومن هذه السيناريوهات هو سيناريو الجبهة الوطنية الواسعة التي تضم “الكتل العراقية” و”الائتلاف الوطني العراقي” و”قائمة التحالف الكردستاني” . وقد رسم بعض قادة هذه الكتل طريقة التحالفات الجديدة، وكان الرسم يتمثل بإبعاد ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي عنه بعد أن شعر هؤلاء بأن المالكي قام بتهميشهم وعدم إشراكهم في القرارات المهمة التي تتخذها الحكومة . أما السيناريو الثاني فيتمثل بتشكيل ائتلاف موحد بين “ائتلاف دولة القانون” و”الائتلاف الوطني العراقي” كخطوة أولى، وإذا تشكل هذا الائتلاف فإن التوقعات تشير إلى أنه من الصعب تشكيل الحكومة المقبلة من دون إشراكه فيها بشكل رئيسي .
ومن خلال هذه السيناريوهات نجد أن تشكيل الحكومة المقبلة وكما توقع بعض القادة الأمريكيين سيستغرق وقتا طويلاً ربما يمتد حتى شهر يوليو/تموز المقبل . لكن إذا نجح خصوم المالكي في تنفيذ السيناريو الخاص بهم فإنهم سيسارعون إلى تشكيل الحكومة حتى يتخلصوا من سطوته عليهم باعتباره ما زال يمتلك زمام أمور الحكومة الحالية بكل حذافيرها .
تفكيك الائتلافات الجديدة
لكن من الممكن ولوج باب آخر، ربما يؤثر في صيغة التحالفات الجديدة ومن ثم يسهم في تأخير تشكيل الحكومة المقبلة، وهذا الباب يتعلق بتفكيك الائتلافات الحالية، لأن الكثير منها غير منسجم في ما بينها، وهي تحالفات من أجل تحقيق مكسب الوصول إلى مقاعد البرلمان المقبل . ومن المرجح أن تتحرك الكتلة الأكبر باتجاه بعض أعضاء هذه القوائم من أجل تفكيكها وإضعافها في المنافسة على تشكيل الحكومة، ومن ثم ضم هؤلاء الأعضاء إلى الحكومة أو منحهم بعض الامتيازات لأحزابهم في التعيينات والمشاريع . ويشير الكثير من المراقبين وحتى قادة بعض الأحزاب إلى حصول انسحابات عديدة من أغلب الكتل، وهناك من أعلن مسبقاً أنه سينسحب من الائتلاف الذي شارك فيه في الانتخابات، ومن أبرز هذه الكتل التيار الصدري الذي أكد بهاء الأعرجي وهو قيادي فيه أن هناك نية لانسحاب التيار المذكور من قائمة الائتلاف الوطني العراقي بسبب وجود تفاوت بينه وبين مكونات الائتلاف الأخرى، وعلى وجه التحديد المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة عمار الحكيم في كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة . فضلا عن ذلك تشير التوقعات إلى أن تحالف الكتلة العراقية مع قائمة التحالف الكردستاني يبدو صعباً للغاية بسبب حالة العداء بين القيادي في الكتلة المذكورة أسامة النجيفي والأكراد الذين يعتبرون النجيفي من الذين يعادونهم باستمرار ومن المحرضين ضدهم بمناسبة ومن دون مناسبة . وإذا ما حصل هكذا نوع من التحالف بين “العراقية” و”قائمة التحالف الكردستاني” فإن النجيفي سينسحب من الكتلة العراقية، وانسحابه منها سيضعفها كثيراً على اعتبار أن النجيفي ربما يأتي بأكثر من خمسة عشر مقعدا من محافظة نينوى وحدها إلى الكتلة العراقية . وفي “قائمة ائتلاف دولة القانون” تبدو الأمور أكثر هدوءاً لعدة أسباب منها وجود تجانس كبير بين أعضاء الائتلاف المذكور من ناحية واحتمالات فوزه بالمركز الأول في الانتخابات، ومثل هذا الفوز سيجعله وفق الدستور العراقي يكلف بتشكيل الحكومة المقبلة . لكن إذا لم ينجح الشخص المكلف بتشكيل الحكومة خلال شهر واحد فقط من تاريخ تكليف الرئيس العراقي المقبل له ربما يؤدي هذا الأمر إلى تصدع ائتلاف المالكي على اعتبار أنه أضاع فرصة تشكيل الحكومة ومنحها للقائمة التي تليه .
لذلك فإن هناك بعض المراقبين يرون في تصدع الائتلافات الحالية سلاحاً ذا حدين . الأول يصب في الناحية الايجابية على اعتبار أن النائب الذي يصل إلى قبة البرلمان لابد أن يكون قيادياً والقيادي لابد عليه أن يضع المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات الأخرى، ومثل هذا الأمر سيمثل عامل قوة إلى البرلمان المقبل . أما السلاح الثاني فقد يكون سلبياً، لأن مثل هذه التصدع سيجعل من اتخاذ البرلمان لقرارات حاسمة في المستقبل رهينة بيد الأشخاص لا بيد الكتل .
مرحلة المؤامرات
سمى رئيس البرلمان العراقي الحالي إياد السامرائي مرحلة ما قبل تشكيل الحكومة بمرحلة المؤامرات، والسامرائي عندما أطلق هذا الوصف يعي جيداً ما يعني . وربما يكون محقاً وعلى صواب تام في تشخيصه، على اعتبار أن هناك جهات تحاول إسقاط بعض الكيانات وتفكيكها ومن ثم تقوم بعد ذلك بإسقاط بعض الرموز المهمة في العملية السياسية . وإذا صحت توقعات السامرائي فإن مثل هذه المؤامرات ستعزز مبدأ ولد من رحم العملية السياسية الجارية الآن في العراق، وهذا المبدأ يتمثل بحالة فقدان الثقة بين الكتل والشخصيات السياسية التي كان يأمل العراقيون التخلص منها من خلال زحفهم المليوني نحو صناديق الاقتراع . لذلك فإن “قائمة التوافق العراقي” التي يبدو أنها ستأتي بعد القوائم الأربع الكبيرة
من ناحية النتائج قد دعت القوائم التي احتلت الصدارة بأن تتحمل المسؤولية كاملة إزاء شعبها بوجوب محاربة الفساد، وإعادة المهجرين ومعالجة مشاكل الأرامل واليتامى والمعتقلين والمفقودين، والبطالة والخدمات، وتحقيق التوازن في الدولة وتصحيح بناء الدولة وأجهزتها الأمنية وحسم المشكلات مع دول الجوار، كي يتعافى العراق وينهض مستفيداً من موارده البشرية العملاقة وثرواته المباركة .
إن حالة التوازن في مؤسسات الدولة العراقية تعني ترسيخ مبدأ المحاصصة من جديد، وأكثر من يركز على هذا المبدأ هو رئيس “كتلة العراقية” إياد علاوي و”جبهة التوافق العراقي” . لكن هناك سؤالاً يطرح نفسه الآن وتحديداً بعد الانتهاء من عملية الانتخابات، وهذا السؤال يتعلق بتعريف مبدأ التوازن، وهل التوازن يعني خارج نطاق الاستحقاق الانتخابي؟ أم أنه يتطلب خلق توازن في مؤسسات الدولة من خلال وجود الشرائح الأساسية في المجتمع العراقي في هذه المؤسسات؟ . وقد سألت قبل حوالي عام رئيس كتلة “العراقية” إياد علاوي عن مفهوم التوازن لديه، فأجاب: “ان الانتخابات السابقة لم تسفر عن وجود توازن مقبول في العملية السياسية لأنها جرت تحت الاحتلال وفي أجواء مرتبكة وحدث فيها تزوير كبير” . لكن لا أعرف الآن هل ما زال علاوي يطالب بالتوازن وفقه نظرته السابقة؟ أم أنه سيخضع لنتائج الانتخابات؟
ويبقى العراقيون ينتظرون من الأشخاص الذين انتخبوهم تطبيق وعودهم التي وعدوا بتحقيقها أثناء الحملات الانتخابية حتى يشعروا بالتحسن في بلدهم وعلى كافة الصعد .