إستراحة الأسبوع
أشهرها الداية والبلانة والكواية والخجا
مهن نسائية منسية آخر تحديث:الجمعة ,12/03/2010
دمشق - منى علي:


تعلمت المرأة الشامية رغم عدم السماح لها بالعمل أو الخروج من البيت الكثير من الحرف والمهن، وساعدت على النمو الاقتصادي لمدينتها، وتركت المرأة الشامية بصمة إبهام واضحة في عملها المتزن الدائم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلى أن حدث التغيير في بعض المهن والأعمال خلال القرن الماضي واستطاعت المرأة بشكل عام والدمشقية بشكل خاص الدخول في مختلف مجالات العمل والعلم والتخصص، فقد كانت المرأة ملازمة لبيتها طوال الوقت راعية شؤون البيت والزوج والأولاد، إلا أن الظروف السيئة كانت تدفعها للعمل خارج المنزل، وما كان عليها سوى أن تختار إما مهنة التوليد أو القبالة أو الكواية أو البلانة أو ماشطة وغيرها من المهن التي حدثنا عنها الباحث في تاريخ دمشق حسن زكي الصواف .          


يبدأ الصواف حديثه بالقول: تدخل “الداية” المولود في ثوبها ليصبح ابنا لها، فمهنة التوليد كانت في القرنين الماضيين مقتصرة على النساء، حيث كان لكل حي أو منطقة امرأة مختصة تقوم بمهمة التوليد الصعبة وتدعى “الداية” وهي الشخصية التي اعتدنا مشاهدتها في مسلسلات البيئة الشامية، فقد كان من واجبها ألا تتأخر في التلبية عند الحاجة إليها ليلاً أونهاراً، وغالباً ما كانت تستدعى من قبل أحد صبيان الأسرة الذي يطرق بابها متعجلاً، مستدعياً لولادة طارئة أو وضع عسير، فإذا كانت الحامل في بداية المخاض كان الصبي يقول للقابلة تقول لك أمي دب الطلق بأختي، وبالطبع كانت “الداية” تستطيع تقدير موعد الولادة، فإما أن تبقى إلى جانب المخاض أو تتفقد ولادة أخرى في منزل قريب آخر .


أما أجرة القابلة آنذاك فكانت ليرة ذهبية عثمانية للبنت وليرتين للذكر وذلك في الأسر الغنية، حيث كان يحصل التفريق والتمييز بين الأنثى والذكر منذ تلك اللحظة، وكانت الدايات يقمن وبمنتهى المهارة بالتوليد والرفد وقلب الجنين من وضع إلى وضع بوساطة اليدين اللتين تكونان بمنتهى المرونة، وهي طريقة تستعمل اليوم في أرقى مشافي العالم، وتنجح القابلة “الداية” إلا في حالات التعسر الناتجة عن تضيق الحوض بل كثيرا ما كانت تستغني عن الجنين في سبيل إنقاذ حياة الأم .


ومن الطرائف الشامية أن “الداية” كانت تدخل المواليد الجدد في ثوبها من ناحية الرقبة لتخرجهم وتتلقفهم من اسفل الثوب، ليصبح المولود بهذه الطريقة وكأنه ابن لها تكشف عن وجهها ورأسها أمامه إذا شب .


“البلانة” صاحبة مهنة وهي التي تعمل في الحمامات ومهنتها تتطلب جلداً وصبراً كبيراً وقدرة على التحمل في الخروج من الحر في قسم الجواني من الحمام إلى القسم البراني بسرعة، حيث كانت الحمامات العامة منتشرة في سائر مدن بلاد الشام منذ أقدم الحضارات، وكان للحضارة الإسلامية دور كبير في الإكثار من الحمامات التي أقيم بعضها عند “باشورات” أبواب الأسوار، وبخاصة دمشق كي يغتسل القادمون من التجار قبل ولوج المدينة، ولا شك في أن توزيع شبكات الري في دمشق في العهد الروماني ساعد على الإكثار من بناء هذه الحمامات .


وبما أن لكل مؤسسة نظاماً معيناً فإن المؤسسات الصغيرة ومنها الحمامات كانت تتمتع بهندستها ومياهها ووقفاتها، أما أوقات الزيارة فيها فكانت تتم عادة في الفترة الصباحية حتى العصر حصراً لدخول السيدات، بينما يستقبل الحمام الرجال بقية الوقت .


وكان من الطبيعي أن يكون لكل حمام نسائي مشرفة عامة ومحاسبة وعاملات ونادلات، وكانت القائمة على الحمام وهي التي تتقبل الحجوزات وتحجز المقاصير وتنتبه إلى السرقات سواء سرقة الملابس الفاخرة ووصولا إلى سرقة المواليد الرضع التي كانت تقوم بها بعض اللواتي لم ينجبن، لأنه كان يظن أن علة عدم الإنجاب مقتصرة على المرأة .


وكانت “البلانة” تقوم بالتلييف والتفريك، وعادة ما يكون بوساطة نبات اللوف أو الليف الذي يتخذ لرغو الصابون عليه، وتأتي هذه المرحلة بعد غسل الشعر أو صبغه، ثم تبدأ عملية التفريك بكيس اسود معتدل الخشونة، وكان هناك ايضا متخصصات في الحمام تقمن بدهن جسم الولادة في حمام الفسخ بدهون خاصة تدعى “الشداد”، أو “الشدود” مؤلفة من عدة أعشاب وتوابل وبيض ثم تركن الأم الصبية فوق بيت النار في الحمام فتتعرق المرأة مع مواد “الشدود” ليزول عنها بعد ذلك كل تعب ووهن .


ويتوقف الباحث الصواف عند مهنتي “الماشطة” و”الكواية”، فهما عبارة عن صالون تجميل متنقل، وهما مهنتان محببتان إلى النساء، فالماشطة هي التي كانت تقوم بتزيين العروس، حسب ذوقها الخاص السائد في تلك الحقبة الزمنية، فهي التي تصنع “السليماني” وهي التي تصبغ الشفتين بالأحمر وتضع ذرور الورد على الخدين، وهي التي تزجج الحاجبين وترسم الكحل، وبعد ان تلبس العروس تقوم بترجيل شعرها المسترسل، وتصنع التاج المرصع باللؤلؤ والأحجار وترمي الثوب الشفاف على الوجه، فيما كانت “الكواية” متخصصة بكي الشعر أو لفه أو عقده جدائل أو رفعه، حيث تذهب إلى البيوت الثرية أو إلى ديار المناسبات والأفراح لتقوم بتصفيف شعر نساء الأسرة، ومن “الكوايات” من كن يقمن بعملهن هذا في بيوتهن القريبة جدا من بيوت الحي الواحد، كي تتمكن النساء من الذهاب إليها .


وبعض نساء مدينة دمشق كما يضيف حسن زكي الصواف تخصصن في التجول بين البيوت الموسرة ليقمن بغسل الثياب، حيث كانت الأسر الدمشقية تخصص يوماً أسبوعياً للغسيل، فالمعروف عن دمشق أنها مدينة بيضاء أي مدينة تحب النظافة، ومن الطبيعي أن الكثيرات من ربات البيوت كن يقمن بهذه العملية المجهدة إما لضيق ذات اليد أو لعدم رضا رجال البيت بذلك، لذلك كان طواف المتخصصات بالغسيل على الأسر ذات الثراء أو على البيوت ذات الأسر المتعددة المساكنة بحكم القربى في المنزل الواحد .


وكانت عملية الغسيل تبدأ فجرا ومنذ ساعات الصباح الأولى لتمر بمراحل متعددة من مرحلة الغلي بالنيلة ثم الفرك والغسيل بدعك الصابون ثم التسبيع بسكب الماء ثم النفض والنشر على الحبال المصنوعة من خيش القنب، وكانت “الغسالة” تأخذ أجرها مقابل عملها المجهد، أما الباقي من العمل فتتمه نساء البيت .


وهناك “العشيّة” وهي المتخصصة بالطهو للمنازل، وغالباً ما كانت ربات البيوت وما يزلن يقمن بالطهو بأنفسهن، لكنهن كن يحتجن في المناسبات والأعراس الى من تقوم بمساعدتهن في إنجاز المآكل الصعبة التي كن يتفاخرن بصنعها، لذا كانت بعض النساء المحبات للطهو والمحتاجات إلى عون مادي يقمن بالمساعدة في المناسبات لقاء أجر، ولعل بعضهن من كانت تقوم بالطبخ اليومي في الأسر الثرية لتذهب مساء محملة بالطعام عدا الأجر الذي تستحقه وكانت تسمى “العشيّة”، ومنهن من كن يطهين في منازلهن من أجل أفراح المنازل والأعراس والولادات والمباركات والمآتم فيؤخذ الطعام من منزل إلى آخر في الوقت المحدد .


أما “الخجا” فهي معلمة الألف والباء، وهي أهم مهنة قديمة في رأي الصواف فقد كانت مهنة “الخجا” هي تعليم الأطفال المبادئ الأولى في القراءة والكتابة، وغالبا ما كانت تفرد غرفة من غرف بيتها لاستقبال التلاميذ ذكورا وإناثا، لتعلمهم القراءة والكتابة، ولتحتفظ بالأطفال في منزلها في الوقت الذي تنصرف فيه الأمهات إلى أعمال البيت، حيث كانت “الخجا” تتقاضى أجرا معلوما يسمى “جمعية” وغالبا ما كانت تسأل نهاية كل أسبوع الصغار عن الجمعية، فيمدون أيديهم إلى جيوبهم ويخرجونها لها .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008