بعد فشل عدوانهم على لبنان في يوليو/ تموز 2006 انكب “الإسرائيليون” على تحليل أسباب فشلهم ومكامن الخلل وطرق إصلاحها على خلفية تقرير كانت تعده لجنة يرأسها القاضي فينوغراد . وكانت دلائل كثيرة تشير إلى أنهم سوف يسارعون إلى شن حرب جديدة في صيف العام 2007 بغية استرداد هيبة جيشهم الردعية . حتى إن أجانب كثيرين، يعرفهم كاتب هذه السطور، غادروا لبنان في نهاية يونيو/ حزيران 2007 خشية هذه الحرب . ولم تحدث الضربة المنتظرة في ذلك العام رغم أن اللبنانيين عاشوا على هواجسها .
في العام 2008 لم تكن “إسرائيل” بحاجة إلى شن مثل هذه الحرب ليس فقط لأنها لم تنجز الاستعدادات الكاملة لها، ولكن لأن اللبنانيين كانوا غارقين في انقساماتهم من دون رئيس للجمهورية وفي ظل حكومة لا تعترف بشرعية أطراف المعارضة، وفي طليعتها حزب الله نفسه، وفي غياب كامل لبرلمان عاجز عن مجرد الالتئام . وفي مايو/ أيار من ذلك العام كاد البلد يغرق في أتون حرب أهلية لولا أن أطرافاً عربية وإقليمية سارعت إلى جمع اللبنانيين في مؤتمر الدوحة الذي انتهى بالاتفاق على انتخاب رئيس توافقي للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية أشرفت على الانتخابات الاشتراعية في ربيع العام 2009 .
لم يغرق لبنان في اتون حرب اهلية طالما تمناها “الإسرائيليون” الذين لم يكلوا من تحريض واشنطن على الهجوم على إيران . وكان للأمريكيين أسبابهم الرادعة عن الانخراط في عمل عسكري كبير، وهم الغارقون في العراق وحوله وأفغانستان، والمفتقدون لحلفاء يدعمونهم في أمر كبير وخطير . وقد رحلت إدارة بوش التي كانت كارثة حقيقية على العرب والعالم والولايات المتحدة نفسها، وجاءت إدارة أوباما مع كل الوعود والآمال التي حملتها والتي صدقها العالم أجمع فانفرجت أساريره بعد طول قلق وتشنج .
والحال هذه لم يكن الهجوم “الإسرائيلي” ممكنا في العام 2009 على إيران أو لبنان . رغم ذلك عاش اللبنانيون قلقاً مستمراً من أن يباغتهم “الإسرائيليون” بمثل هذا الهجوم على وقع تهديدات متبادلة بين حزب الله والقادة “الإسرائيليين” . هؤلاء الأخيرون كانوا يخشون من أن ينجح الحزب في الانتقام الموعود لاستشهاد قائده العسكري عماد مغنية عبر عملية أمنية كبرى يضطرون للرد عليها . وكان مراقبون كثيرون متأكدين من أن الهجوم “الإسرائيلي” الحتمي على لبنان لن يكون في العام 2009 ولكن على الأرجح في العام 2010 حين تكون الاستعدادات العسكرية “الإسرائيلية” قد اكتملت ونضجت الظروف الدولية المتعلقة بالملف النووي الايراني وعلى أبواب انتخابات الكونغرس النصفية الأمريكية التي يكون البيت الأبيض خلالها أعجز من الضغط على الحليف “الإسرائيلي” . بتنا اليوم في النصف الثاني من العام 2010 والمخاوف اللبنانية تزداد يوما بعد يوم لاسيما وأنه في إبريل/ نيسان وفي يونيو/ حزيران الماضيين تسربت أنباء “مؤكدة” مصدرها عواصم عربية وأوروبية عن عزم الحكومة “الإسرائيلية” على إعطاء الأوامر لجيشها لتطبيق خطة الهجوم التي تم وضعها في وقت سابق . لم يحدث شيء من هذا القبيل لكن اللبنانيين لم يطمئنوا بعد . والحقيقة أنه ما من سبب لمثل هذا الاطمئنان لاسيما مع القناعة السائدة عند الجميع أن الهجوم “الإسرائيلي” على حزب لله أمر حتمي وشنه هو مسألة وقت ملائم لا أكثر ولا أقل .
هل حل هذا الوقت المناسب؟ يؤكد الرئيس أحمدي نجاد أن معلومات مؤكدة لديه أن الأشهر الثلاثة المقبلة ستشهد عدوانا “إسرائيليا” واسع النطاق ضد سوريا ولبنان، كما يؤكد الرئيس محمود عباس أن خريف لبنان سيكون ساخنا، ولا يمر يوم واحد لا نقرأ فيه مثل هذه التأكيدات في الصحف “الإسرائيلية” . ومن جهته فيدل كاسترو تكلم خمس مرات، في غضون عشرة أيام، عن “الحرب النووية” التي سيشهدها الشرق الأوسط عما قريب . وفي لبنان، كالعادة، لا حديث سوى عن هذه الحرب القريبة ولكن هذه المرة على وقع مستجدات المحكمة الدولية .
يقول السيد حسن نصرالله، المعروف بأنه لا يستخدم الكذب في السياسة، إن الرئيس سعد الحريري أخبره بأن القرار الظني الذي سيصدر عن المحكمة الدولية سيتهم عناصر “غير منضبطة” في حزب الله باغتيال والده وبأنه مستعد للتعاون حقناً للدماء في حال حصول ذلك . وعلى الفور قامت قوى الثامن من آذار بقيادة حزب الله بشن هجوم “استباقي” على المحكمة الدولية مشككة بنزاهتها ومتهمة إياها بالوقوع تحت النفوذ “الإسرائيلي” الهادف إلى زج الحزب في أتون صراع دموي لبناني داخلي تستثمره “إسرائيل” في حربها المنتظرة . وفي أيام قليلة عاد السجال الداخلي اللبناني إلى سخونة تنذر بما هو أخطر على السلم الأهلي الذي بات يترنح قبل صدور القرار الظني . فالمشكلة أن الذين منحوا المحكمة الدولية كامل الثقة لا يستطيعون التراجع أيا كان قرارها والذي يتوجس منه حزب الله شراً ما بعده شر . الانقسام خطير وينذر بما هو أعظم . من هنا مسارعة العرب إلى الإمساك مجددا بالملف اللبناني: قمتا شرم الشيخ وبعبدا العربيتان واللتان تعيدا التأكيد أن الوفاق السعودي - السوري المدعوم من قطر ومصر وعموم دول “الاعتدال” و”الممانعة” العربية لا يزال سارياً لحماية السلم الأهلي اللبناني .
ويستطيع هذا الوفاق حماية هذا السلم بمعزل عن قرار المحكمة الظني لكنه لا يستطيع حمايته من الخطر المتربص به “إسرائيليا” على أعتاب انتخابات الكونغرس . والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تسرب خبر القرار الظني عن المحكمة؟ إذاً هو دليل على تسييسها وقلة مصداقيتها، وهذا احتمال لا نود أن نصدقه . الأرجح ان الخبر تسرب من أوساط الرئيس ساركوزي ووزير خارجيته كوشنير القريبين جداً من “إسرائيل” التي تسعى مخابراتها إلى كل الأساليب في حربها على حزب الله وكل من يجرؤ على مقاومة الاحتلال .
بالطبع سيكون الخريف اللبناني ساخناً على غرار ما كان عليه الربيع والشتاء والصيف وما ستكون عليه كل الأوقات طالما أن ثمة عدوا زرعه الغرب في قلب منطقتنا التي لن تعرف الطمأنينة في وجوده .