اتفق خبراء على أن اقتصاد الإمارات واقتصادات المنطقة وضعت أقدامها على أول طريق التعافي من تبعات الأزمة المالية العالمية وعلى أن الأسوأ بات بالفعل خلفنا، إلا إنهم أجمعوا أيضاً على إن هناك تحديات على اقتصادات المنطقة مواجهتها لتصل إلى التعافي الكامل وتعاود النمو بقوة من جديد، وتبرز التحديات بصورة أكبر على مستوى أسواق العقارات والقطاع المصرفي .
وقال الخبراء خلال ندوة عقدت يوم أمس في دبي إن الإمارات ودول المنطقة تملك الكثير من المقومات التي تجعلها على درجة كبيرة من الأهمية في منظومة النمو الاقتصادي العالمية، وتوقعوا أن تلعب اقتصادات المنطقة دوراً أكثر أهمية على ساحة الاقتصاد العالمي بعد أن أعادت الأزمة ترتيب أدوار الاقتصادات العالمية .
وقال هشام الشيراوي، النائب الثاني لرئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة دبي أن “العام 2010 يحمل نظرةً إيجابية للأعمال وذلك بعد أن تخطى اقتصاد دولة الإمارات تداعيات الأزمة العالمية، وبات في وضعٍ يؤهله لاستعادة دوره في قيادة التنمية الاقتصادية في الدولة وإكمال مسيرة النمو والتطور” .
ويأتي تنظيم غرفة تجارة وصناعة دبي للملتقى للسنة الثالثة على التوالي في إطار جهود الغرفة للتواصل مع مجتمع الأعمال في دبي، وتزويده بآخر المعطيات والمستجدات على الساحة الاقتصادية عبر توفير منصات لقاءات مستمرة مع الخبراء في كافة المجالات والقطاعات الاقتصادية .
وذكر الشيراوي “عوامل عدة تسهم في تعزيز هذه النظرة التفاؤلية أبرزها استمرار الإنفاق الحكومي على مشاريع البنى التحتية، وزيادة أسعار النفط، وارتفاع ثقة المستثمرين بالاقتصاد، والتدخلات الحكومية الشفافة المواكبة للتغيرات على الخارطة العالمية” .
وشدد الشيراوي على ان انخفاض معدل التضخم في دبي خلال العام الماضي إلى أدنى مستوياته منذ خمس سنوات وهو 1 .4% مقارنةً ب3 .11% في 2008 ما هو إلا مؤشرٌ إضافي على القدرة التنافسية للإمارة التي تثبت يوماً بعد الآخر أنها المكان الملائم لتأسيس الأعمال .
وأوضح الشيراوي أن صادرات أعضاء الغرفة بدأت منذ الربع الأخير من 2009 بالارتفاع لتحقق رقماً قياسياً في شهر ديسمبر الماضي بقيمةٍ إجمالية بلغت 5 .18 مليار درهم ليعود قطاع التصدير إلى عهده كمحفز رئيسي للعجلة الاقتصادية في الإمارة .
وأقيمت جلسة نقاش خلال الملتقى شارك فيها الشيخ سلطان بن سعود القاسمي، رئيس مجلس إدارة منظمة القيادات العربية الشابة في الإمارات، والمهندس حمد بوعميم، مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي، والدكتور هنري عزّام، الرئيس التنفيذي لدويتشه بنك في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبول باجاتيلاس، مدير عام مجموعة كارلايل حيث تمحورت النقاشات حول واقع منطقة الخليج العربي بعد الأزمة المالية العالمية، والتوقعات المستقبلية لبيئة الأعمال في المنطقة في 2010 .
ويعتبر الملتقى الذي نظمته غرفة تجارة وصناعة دبي بداية مقرر “الإقامة في دبي” الذي تطرحه جامعة جورج تاون الأمريكية لمدة أسبوع لعددٍ من طلابها الذين يدرسون الماجستير في إدارة الأعمال .
ويشمل محور هذا المقرر قيام الطلاب بأبحاثٍ ميدانية تفيد المشروعات الاستشارية التي يقومون بها، ومقابلة مديري الشركات المشاركة في البرنامج التعليمي، وتقديم توصياتهم في عروضٍ تعريفية .
سلطان بن سعود القاسمي: البنية التحتية أبرز مقومات الجذب في دبي
قال سلطان بن سعود القاسمي رئيس مجلس إدارة منظمة القيادات العربية الشابة في الإمارات خلال جلسة النقاش التي أجريت في غرفة صناعة وتجارة دبي يوم أمس، إن هناك مقومات جذب عدة تميز دبي عن غيرها من مدن المنطقة وعلى رأسها البنية التحتية التي تجعل من دبي المركز الأمثل لمزاولة الأعمال في المنطقة .
ولفت إلى أهمية زيادة الشفافية والحوكمة لتعزيز ثقة المستثمر في اقتصادات المنطقة التي تزداد أهمية في المرحلة الراهنة، وقال إن دبي وضعت معياراً متميزاً على هذا الصعيد، وقال إنه من المهم كذلك لتعزيز ثقة المستثمر أن تكون هناك قاعدة موحدة للبيانات، لافتاً إلى أن المستثمر يحتاج إلى أرقام جديرة بالثقة لاتخاذ القرارات الاستثمارية السليمة . وتحدث عن مبادرات دبي والإمارات المتعددة على هذا الصعيد مثل مكتب الائتمان .
حمد بوعميم: 2 - 3% النمو المتوقع في الإمارات
توقّع حمد بوعميم مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي أن يسجل اقتصاد الإمارات هذا العام نمواً يتراوح معدله بين 2 3% وأن يحقق معدلات نمو أعلى بعد معالجة كافة تبعات الأزمة العالمية بحلول العام المقبل، وقال بوعميم إن دبي نجحت في تجاوز الأسوأ من تبعات الأزمة المالية العالمية، لكن الأزمة يتوقع أن تترك آثارها مع انحسار دور قطاعي العقار والسياحة من دور قيادة النمو الاقتصادي إلى دور الدعم والمساندة لتحتل قطاعات أخرى مركز الريادة وعلى رأسها الخدمات اللوجستية والخدمات المالية والتجارة .
وقال إن اقتصادات الخليج بصفة عامة تتمتع بمقومات وأسس اقتصادية مهمة فالمنطقة تملك حوالي 55% من احتياطيات النفط العالمية و25% من احتياطيات الغاز . وقال إن الإمارات ودول المنطقة واجهت التحديات في ظل الأزمة خاصة الإمارات بالنظر لإنتاجها بصورة أكبر على الاقتصاد العالمي، ما جعل النمو الاقتصادي يتراجع إلى 1% في العام الماضي .
لكن وفي المقابل كان هناك عنصر إيجابي بين تبعات الأزمة وتمثل في تراجع التضخم إلى مستويات متدنية مما يسهم في دعم تنافسية دبي وقدرتها على استقطاب قطاعات الأعمال العالمية .
ولفت إلى أن عام 2009 لم يكن بالسوء المتوقع على مستوى أسعار النفط والتي يمثل مستقبلها عنصراً مهماً وحيوياً في مستقبل الأداء الاقتصادي للمنطقة . وتوقع أن يكون عام 2010 أفضل من 2009 مع ارتفاع مستويات النمو في المنطقة واستقرار أسعار النفط عند مستوى 75 إلى 80 دولاراً للبرميل .
وقال إن اقتصادات دول مجلس التعاون مرشحة للعب دور أكبر في الاقتصاد العالمي مع ارتفاع حجمها إلى تريليون دولار بحلول عام 2002 .
وتحدث بوعميم عن الدعم الحكومي قائلاً “من الطبيعي الاعتماد على الدعم الحكومي في أوقات الأزمات، إلا أن هذا الدور يجب أن يكون قصير الأمد، ومن ثم يجب أن تسمح الحكومات للقطاع الخاص بالعودة للعب دور أكبر في دفع عجلة النمو الاقتصادي” . وقال: “نحن في أزمة وعلينا أن نكون واقعيين فلولا تدخل الحكومات في الاقتصاد وفي مختلف دول العالم لما تمكنا من تجاوز تبعات الأزمة” .
ولفت إلى أهمية الشفافية والحوكمة والتواصل الفعال لتعزيز ثقة المستثمر .
هنري عزام: المصارف في المنطقة تواصل قيودها الائتمانية
يتوقع الدكتور هنري عزام عودة الإمارات واقتصادات دول المنطقة الى النمو هذا العام وبمعدل يصل الى 3،5% في المتوسط وبحوالي 2% للإمارات . وقال ان الاقتصاد النفطي والقطاعات الحكومية تحديداً مرشحة للنمو هذا العام .
لفت الدكتور هنري عزام الى ان انتعاش القطاع الخاص في المنطقة سوف يتأخر نسبياً هذا العام مع غياب قنوات التمويل وتوخي الشركات الحذر في قراراتها التوسعية واستثماراتها، واستبعد أن تشهد هذا العام توسعاً في الطلب على الائتمان مع إبقاء البنوك قيودها على الإقراض وتوقع أن يصل متوسط سعر برميل النفط الى 75 دولاراً هذا العام ليدعم ذلك الانفاق الحكومي التوسعي . كما رجح أن يرتفع إنتاج الإمارات ودول المنطقة من النفط مع ارتفاع الطلب العالمي ورفع أوبك حصص الإنتاج .
وتحدث عزام عن الائتمان للقطاع الخاص قائلاً ان الشركات أمامها 3 سبل لجذب التمويل فإما القروض المصرفية أو الأسهم أو السندات . وقال ان القطاعات المصرفية في المنطقة من المرجح أن تركز هذا العام على معالجة حساباتها لتواصل فرض القيود على الائتمان، أما بالنسبة لأسواق الأسهم فهي تتركز في القطاعين العقاري والخدمات المالية مما يزيد صعوبة الاعتماد على التمويل عبر طرح الأسهم للاكتتابات الأولية العامة” .
أما بالنسبة لسوق السندات فهو بدوره خيار صعب مع ارتفاع تكلفة التأمين على الديون في المنطقة ونمو الطلب القوي على سندات الخزانة الأمريكية ما يرفع تكلفة السندات بصورة عامة .
اللعب وفق القواعد العالمية
قال عزام ان الأعين كلها اليوم على “دبي العالمية” بانتظار إعادة الهيكلة وطريقة معالجة ديون الشركة . وأكد أن الشركات العالمية يمكنها التعامل مع الخسارة لكن ما يؤرقها حقاً هو الغموض وعدم الوضوح، ولفت الى أهمية الشفافية الكاملة في معالجة الأزمة قائلاً: “عندما نتعامل مع الأسواق العالمية علينا أن نلعب وفقاً للقواعد العالمية” .
عودة إلى الثمانينات
قال عزام ان دول المنطقة كانت تسجل فوائض في حساباتها عندما كان سعر برميل النفط 28 دولاراً لكنها اليوم تسجل عجزاً مالياً مع سعر يفوق 62 دولاراً للبرميل، ولفت الى ان هذا يعني تزايد الاعتماد المطلق على الحكومات مما يعني، على حد قوله، اننا سنعود الى الوراء الى حقبة الثمانينات لنخسر بذلك كل ما تحقق على مستوى الخصخصة وتحرير الاقتصادات .
سوق سندات خزانة
دعا الدكتور عزام الى التأسيس لسوق سندات خزانة في الإمارات وفي دول المنطقة لافتاً الى أهمية هذه الخطوة حتى لو لم تكن الدولة بحاجة إلى تمويل .
وقال انه لا يشعر بأي قلق حيال قدرة حكومات المنطقة على اجتذاب الائتمان في حال احتاجت إليه لتمويل العجز .
لا بديل عن دور دبي في المنطقة
أكد الدكتور هنري عزام أنه ما من بديل في المنطقة يعوض عن دور دبي وعلى كافة المستويات وبخاصة على مستوى البنية التحتية . وقال ان مشكلة دبي تمثلت في وجود ما أسماه خللاً في التوفيق بين مواعيد استحقاق الديون المختلفة والاعتماد على ديون قصيرة الأجل لتغطية التزامات طويلة الأمد .
العقار في دبي نحو التعافي
قال الدكتور هنري عزام ل”الخليج” ان سوق العقار في دبي في طريقه للتعافي ويتوقع أن يشهد تحسناً في الأداء وأن تستقر الأسعار مع نهاية العام الجاري .
وأضاف ان “خير دليل يبرهن على اقتراب أسعار العقارات بالفعل من نقطة القاع يتمثل في دخول صناديق الاستثمار في الأصول المتعثرة أو ما يعرف باسم “صناديق الاستثمار في الأزمات” الى السوق .
وقال “تأسس بالفعل مؤخراً صندوق من هذا النوع للاستثمار في أسواق العقار بالمنطقة وهو صندوق تابع لبنك الراجحي وتصل قيمته الى 400 مليون دولار” .
“الجهل” بالأصول المسمومة أنقذ المنطقة من تبعات الأزمة
يرى الدكتور عزام أن “الجهل” كان صاحب الفضل في نجاة المنطقة من تبعات الأزمة العالمية، إذ إن جهل مؤسسات المنطقة المالية بالأصول المعقدة التي صارت تعرف بعد الأزمة بالأصول المسمومة هو ما أنقذها من تبعات الأزمة العالمية التي كانت لها انعكاساتها الأكثر حدة على بنوك الغرب ومؤسساته المالية .