الأسبوع السياسي
"الضبعة" بوابة مصر لاسترداد "الأرض المنهوبة" آخر تحديث:الخميس ,02/09/2010
القاهرة - أحمد أبو المعاطي:

1/1

انتهى زمن الفوضى . . على هذا النحو من القوة علق خبير اقتصادي بارز، على التصريحات التي أطلقها قبل أيام الرئيس مبارك، التي تقضي بمنع بيع أراضي الدولة، وقصر استغلالها على حق الانتفاع بمدد زمنية محددة، قبل أن يضيف: على الثعالب الصغيرة أن تدخل جحورها وعلى الحيتان الكبيرة أن تستعد من اليوم للمساءلة .


انتهى زمن فوضى بيع أراضي الدولة بالفعل، لكن يظل السؤال قائماً: هل بات بمقدور الحكومة المصرية أن تفتح هذا الملف الشائك المليء بالألغام والأشواك؟


السؤال يبدو منطقياً للغاية، فما أهدرته الوزارات المتعاقبة التي شكلت في مصر خلال العقدين الأخيرين من أراضٍ بلغ حد الكارثة، وما شهدته الأراضي المملوكة للدولة من تعديات بلغ  حسب تقدير تقارير حكومية رسمية  ما يقدر بنحو 5 .2 مليون فدان، وهي مساحة مرعبة إذا ما قيست بحجم المساحة الكلية لمصر، ناهيك عن تورط عشرات وربما مئات من كبار وصغار المسؤولين في الدولة، في ضياع مساحات شاسعة من الأراضي خلال الفترة الماضية، بلغت قيمتها حسب تقديرات المركز القومي لحماية الأراضي، وهو أحد المراكز البحثية الرسمية العاملة في هذا المجال، بما يقدر بنحو مائتي مليار جنيه .


الثابت أن مصر لم تشهد على مدى العقود الماضية حملة منظمة للاستيلاء والنهب العام لأراضي الدولة مثلما شهدت خلال العقدين الماضيين، وقد تجلت مظاهر تلك الحملة مؤخراً في حصول ستة من كبار رجال المال والأعمال على ما يقدر بنحو 67 ألف فدان، بقرارات تخصيص تارة وبالتحايل على القانون تارة أخرى، وهي مساحة علق خبير بارز عليها بقوله إنها تصل إلى حجم مساحة خمس دول عربية مجتمعة، وتكشف إلى حد بعيد مدى القوة والنفوذ الذي تتمتع به مافيا الاستيلاء على أراضي الدولة في مصر، وربما أيضاً مدى الحماية التي تتمتع بها، خاصة أن هذه المافيا استغلت دائماً فشل الحكومة في حماية أملاكها من الأراضي، وسعت عبر مسؤولين كبار نحو تقنين شكلي لأوضاع هذه الأراضي، حتى لو كان ذلك بالمخالفة لقرارات جمهورية وقوانين صدرت منذ ما يقرب من عشر سنوات، وكانت جميعها تحظر تقنين حالة هذه الأراضي بمثل هذه الطرق نهائياً .


تقرير رسمي مزود بالوثائق وكشوف مدققة لأسماء من بينهم وزراء سابقون وحاليون ونواب في البرلمان وعدد كبير من رجال المال والأعمال حتى نجوم في عالم الفن، وضع على مكتب الرئيس مؤخرا، كان سبباً في أن يتصدى رأس الدولة المصرية بنفسه لهذه القضية، وأن يفاجأ مجلس الوزراء الذي دعي للانعقاد بكامل هيئته قبل أيام، بقرار رئاسي يقضي بمنع بيع أراضي الدولة نهائياً، وقصر استغلالها على حق الانتفاع بمدد زمنية محددة، وهو ما يعني بالضرورة بدء الأجهزة المختصة في فتح الملف الشائك، لسرعة وضع نظام جديد لضبط قواعد التصرف في أراضي الدولة، بل إن الرئيس مبارك زاد على ذلك بطلب عرض تصور متكامل


عن هذا الأمر خلال شهر كحد أقصى، على أن يتضمن هذا التصور تحديد جهة حكومية واحدة تكون هي المسؤولة عن التخطيط العمراني لهذه الأراضي .


ويحفل ملف الاستيلاء على أراضي الدولة في مصر بالعديد من القصص الدامية، لرجال أعمال كبار مصريين وعرب، نجحوا خلال السنوات الماضية في الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي وبخاصة المتاخمة للعاصمة والمدن الجديدة مقابل أثمان رمزية زهيدة للمتر، في حين أن القيمة الحقيقية لهذه الأراضي تصل إلى مليارات الدولارات، وقد قام هؤلاء بتسقيع هذه الأراضي لفترة من الزمن، قبل أن يعاودوا بيعها مجدداً لآخرين محققين من وراء ذلك ثروات طائلة .


ولا يتوقف الأمر في هذا الملف الشائك عند حد رجال الأعمال، بل إن تقارير أعدتها وزارة الإسكان مؤخراً تتحدث  عبر تسريبات  عن رئيس وزراء أسبق نجح في الحصول على مساحات شاسعة من الأراضي الفضاء مجاورة لمدينة جديدة، قبل أن يحيلها إلى شركات مقاولات كبرى أخرى لإنشاء مشروعات معمارية، حقق من ورائها أرباحاً خرافية في حين لم تزد القيمة التي سددها لخزانة الدولة عن نسبة ضئيلة للغاية من القيمة الحقيقية لهذه الأرض .


ودفعت حالة السعار التي أصابت كبار رجال الأعمال في مواسم النهب المنظم لأراضي الدولة في مصر كثيرين منهم إلى التحايل على جهات الاختصاص للحصول على قرارات تخصيص لمساحات كبيرة من الأراضي في مناطق الاستصلاح الجديدة، بزعم البدء في مشروعات زراعية كبرى، قبل أن يقوموا بتقسيم هذه المساحات الكبيرة وبيع بعضها لجهة إنشاء منتجعات سياحية بالمخالفة لقرارات التخصيص الأصلية .


وخلال السنوات الخمس الأخيرة قفزت إلى السطح عشرات من قضايا الفساد في بيع أراضي الدولة، وبعضها كشفت عنه أجهزة رقابية بالصوت والصورة، حيث ارتبط تخصيص الأراضي في هذه القضايا برشاوى ضخمة تسلمها مسؤولون كبار، ربما كان من أبرزها القضية التي اتهم فيها وزير الإسكان السابق المهندس محمد إبراهيم سليمان والتي اتهم فيها بمنح رجل الأعمال الشهير هشام طلعت مصطفى المحبوس حالياً على ذمة قضية التحريض على قتل المغنية اللبنانية سوزان تميم، مساحة20 كيلو متراً على حدود القاهرة، لإنشاء مشروعه السكني الكبير، وقد حصل الأخير على هذه المساحات الشاسعة بسعر وصفته هيئة مفوضي الدولة بأنه كان أقل من سعر رمزي، مؤكدة أن قرار التخصيص تم من دون إقامة مزاد علني لبيع الأرض حسبما هو متعارف في مثل تلك الإجراءات، وأن هذا القرار تسبب وحده في إهدار ما يقرب من ثلاثمائة مليار جنيه على الدولة .


ولعب تنازع ثلاث جهات حكومية في السيطرة على الأراضي المملوكة للدولة، دوراً كبيراً في انفجار تلك المشكلة في مصر، إذ كان هذا الصراع سبباً في رأي خبراء ومراقبين في أن تتسابق كل جهة من هذه الجهات الثلاث  وهي وزارة الإسكان ووزارة الزراعة والهيئة العامة لاستصلاح الأراضي  على بيع ما يقع تحت يديها من مساحات، من دون وجود خطة تضمن استغلال هذه المساحات على نحو صحيح، واستغلال المشترين لهذه الأراضي في الأغراض المخصصة لها من الأساس .


ويدلل تقرير للمركز القومي لحماية الأراضي على ذلك بقيام وزارة الزراعة بخفض سعر الفدان في الأراضي الجديدة إلى أسعار متدنية للغاية، بغرض إتاحة الفرصة للاستصلاح والزراعة، غير أن كثيراً من الشركات التي سارعت للحصول على هذه الأراضي، لجأت إلى حيلة تسقيعها، لتقوم بعد فترة بتقسيم هذه الأراضي كأراضٍ للبناء، بعد الحصول على التراخيص اللازمة من جهات في الدولة، لتضم هذه الأراضي إلى كردون المدن، وتمد شبكات المرافق الأساسية لها، ومن ثم تقوم بإعادة بيعها بأسعار خرافية، بلغت نحو مليون جنيه للفدان الذي لا يزيد سعره حسب تقديرات وزارة الزراعة على خمسين جنيها .


مشروع الضبعة


حالة النهم التي أصابت عدداً كبيراً من رجال الأعمال في مصر، وعمليات النهب المنظمة التي تعرضت لها مساحات شاسعة من الأراضي، لم تتوقف عند سقف الرغبة، بل إن الخطورة بلغت قبل سنوات، حد تعطيل واحد من أكبر وأهم المشروعات التي تتعلق بمستقبل البلاد، وهو مشروع إنشاء أول محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية المعروف إعلامياً باسم مشروع الضبعة .


وخصصت الحكومة المصرية في العام 1981 مساحة من أراضي منطقة الضبعة التابعة لمحافظة مرسى مطروح لإنشاء أول محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية بعد دراسة شملت العديد من الموقع في مناطق مختلفة على سواحل البحر المتوسط والدلتا والبحر الأحمر وخليج السويس، وكانت دراسة شاملة لإحدى الشركات الفرنسية المتخصصة في هذا المجال، قد انتهت إلى اختيار منطقة الضبعة نظراً لتوافر جميع شروط الأمان النووي بها، سواء من حيث قربها من البحر المتوسط، بما يفيد في استخدام مياه البحر في تبريد درجة حرارة المفاعل، فضلاً عن خصائص التربة والمياه الجوفية وغيرها .


الدراسات التي أجريت في هذا الخصوص، والتي كلفت الحكومة المصرية نحو 150 مليوناً، كادت تذهب أدراج الرياح بعد أن بدأت الأطماع تحيط بالأرض المخصصة لإنشاء المفاعل، وبخاصة المساحة الملاصقة لها والتي يطلق عليها الخبراء أرض الأمان النووي، وقد مارس عدد غير قليل من رجال الأعمال ضغوطاً هائلة على الحكومة ممثلة في وزارة الكهرباء والطاقة الدكتور حسن يونس، ورئيس هيئة المحطات النووية الدكتور يس إبراهيم، بهدف انتزاع الموافقة على التصريح لهم باستغلال هذه الأرض لإقامة مشروعات سياحية استثمارية .


على مدى سنوات واصل رجال أعمال مصريون ضغوطهم من أجل ابتلاع أرض الضبعة، بينما ظل موقف وزارة الكهرباء والطاقة، وهيئة المحطات النووية رافضاً للتصريح لهؤلاء بإقامة أي منشآت سياحية حول الأرض المخصصة لإنشاء المحطة، وداخل أرض حزام الأمان النووي، لكن هذا الرفض لم يزد مجموعة الطامعين إلا إصراراً، وقد بلغت الأطماع حد تهديد محافظ مطروح من قبل أحد كبار رجال الأعمال بالإطاحة به من منصبه إذا ما واصل رفضه تلبية مطالبهم بتسهيل الحصول على أرض الأمان النووي وتخصيصها لإقامة مشروعات سياحية .


مجموعة رجال الأعمال الذين حاولوا ابتلاع أرض الضبعة لم تتوقف محاولاتهم عند حد الضغوط الشديدة التي مورست على وزير الكهرباء ورئيس هيئة المحطات النووية، وإنما امتدت إلى الصحف في محاولة لخلق رأي عام يشكك في الفوائد المنتظرة للمحطة المزمع إنشاؤها، والضغط في الوقت ذاته على جهات في الدولة لجهة نزع أراضي الأمان النووي، وهو ما اعتبره خبراء وقتها قصفاً تمهيدياً لاستبعاد منطقة الضبعة من إقامة مشروع المفاعل النووي، وقد بلغ هذا القصف مداه عندما وجه رجل الأعمال المعروف إبراهيم كامل انتقادات عنيفة للمشروع، وأن الموقع المخصص لإنشاء المحطة غير صالح لإقامة مفاعل نووي .


كامل الذي يشغل موقعاً قيادياً في الحزب الحاكم، ظهر قبل فترة على شاشة إحدى الفضائيات المصرية، واتهم العلماء المصريين الذين يدافعون عن أرض الضبعة بأنهم مهرجون، مشيراً في لهجة تاجر محترف إلى أن القيمة المادية للأرض المخصصة للمشروع أكبر بكثير من قيمة المحطة المزمع إنشاؤها، وقد تسببت هذه التصريحات في موجة غضب عارمة في أوساط خبراء في مجال الطاقة النووية، الذين أعلنوا مجدداً أن أرض الضبعة هي الأنسب بين أكثر من عشرين موقعاً تم اختيارها لتنفيذ هذا المشروع العملاق، وأن تصريحات كامل وغيره من رجال المال والأعمال لا تستهدف إلا الضغط على النظام الحاكم لجهة صرف النظر عن هذا المشروع المستقبلي العملاق .


في الأسبوع الماضي ضرب الرئيس مبارك عصفورين بحجر واحد، عندما وجه ضربة قاسمة لمافيا نهب أراضي الدولة، بقرار قصر استغلال هذه الأراضي على حق الانتفاع بمدد زمنية محددة، وهو ما يعني أن الحكومة سوف تتجه خلال الفترة المقبلة نحو تشديد العقوبات على المخالفين، كما حسم الرئيس في الوقت ذاته الجدل الذي ظل دائراً لسنوات حول مستقبل الضبعة، وقطع الطريق على أطماع عدد غير قليل من رجال الأعمال في الأرض المخصصة للمشروع النووي، وقد تجلى ذلك لاحقاً في تصريحات للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية السفير سليمان عواد الذي أكد قبل أيام أن إجراءات إقامة محطة الضبعة النووية سوف تبدأ في الموقع المخصص العام المقبل، على أن يطرح العطاء والمناقصة قبل نهاية ديسمبر/ كانون الأول .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008