الخليج الثقافي
رأي ثقافي
المكتبات العامة آخر تحديث:السبت ,06/02/2010
ماجد بوشليبي

يقول أبو الطيب المتنبي: لم أر في عيوب الناس شيئاً . . كنقص القادرين على التمام . ولم يكن أبو الطيب المتنبي يقصد في هذا البيت من الشعر دور الكتب والمكتبات العامة بالتأكيد، ولكن ما عناه ربما يتوافق مع حال هذه المكتبات، من حيث قدرتها على التمام والإنجاز ولكنها تعجز عن فعل ذلك، فهي عندنا كثيرة وتزدحم بالكتب ومصادر المعرفة، وهي ذات موضوعات عامة ومتخصصة، وتتبع إدارياً مؤسسات عامة وخاصة، ويتوفر لها الدعم بالموازنات الكبيرة والرفد السنوي من الكتب، ووُضِع لها أنظمة الكترونية تسهل على الباحث وطالب المعرفة الوصول إلى المعلومة في أسرع وقت، وأسلوب ميسر، وجمعت هذه المكتبات في مبان ضخمة ودور ذات بهجة وجمال تسر الناظرين، لكن القصد من وجودها وهو ارتياد الناس والباحثين من طلاب المعرفة ليس كما ينبغي ويُتَوقع نسبة إلى ما وضعت من أجله من أهداف ومقاصد، وإلى ما تم تسخيره لها من إمكانات، فلماذا إذاً تعجز مكتباتنا عن التمام في هذا الأمر كما يقول الشاعر؟ .


معنى التمام هنا هو وجود المرتاد المعتاد على استخدام المكتبة، فمن الظاهر لنا لا يبدو أن في المكتبة نقصا يدعو إلى العزوف عنها، بل نرى لها من القدرات ما يمكّن لكثير من البرامج التعليمية والأكاديمية العليا من الحصول على اعتماد لبرامج دراسات عليا، حيث يعتبر وجودها من أهم متطلبات اعتماد هذه البرامج، وكذلك نرى لها توزعاً وانتشاراً جغرافياً يغطي مساحات شاسعة، لها كثافاتها السكانية المطلوبة لتحقيق مستوى عال من نسبة الحضور والارتياد، ومع هذه الاعتبارات تكمن الإجابة عن هذا التساؤل في جانبين: الأول ان المكتبات لم تعد أن تكون مخازن للكتب وضعت بشكل منسق، ولم نسمع أو نرى لها برامج أو أنشطة، أو مستويات من الحراك الاجتماعي والثقافي ما ينبئ عن وجودها، ويستقطب إليها المجتمع بوسائل ترغيب يربط إليها المرتادين، فلا نجد غير تلك المشاريع والواجبات المدرسية التي ترغم طلبة المدارس الثانوية على اللجوء إلى المكتبة بين حين وآخر، لاستنساخ معلوماتها، حيث تأتي مجاميع الطلبة في مواسم وتذهب في مواسم كمواسم الجراد لا غير، وربما أغنت شبكة الإنترنت الآن عن المكتبة بما تزخر به من معلومات ومواد بغض النظر عن جودتها، ورغم ما فيها من الغث والسمين، فهي تغني الطالب عن البحث في متون الكتب، وتجشم مشقة الحضور إلى المكتبة لتحضير البحث، وكل ما سيقوم به هو القص واللصق وبعض التنسيق، ولن يمكن المعلم من مراجعة البحوث على كثرتها، فالكم هو ما يطلب لا الكيف .


وغالباً ما يقدمها الإعلام كخلفية لبرامج ثقافية ليس إلا، فهل تعجزنا برامج التطوير والترويج مع أن أفكار التطوير كثيرة، فمعارض الكتب كل عام تفيض بالأنشطة والبرامج ما يمكن أن تقدمه وتديره المكتبات طوال العام كاستضافة المحاضرين في ندوات تخصصية، وإدارة قضايا حوارية وتنظيم توقيعات الإصدارات الجديدة والصالونات الأدبية، والاشتراك في البرامج والمعارض النوعية المتعلقة بمناسبات معينة، كالاحتفالات ببرامج الأسرة وتخصيص أيام محددة لفئات خاصة في المجتمع وبرامج البيئة وغير ذلك، ودعوة أساتذة متخصصين للإشراف والمراجعة ومتابعة الباحثين في ما يشبه الساعات المكتبية في الجامعات، وإنشاء أندية للكتاب والتعاون مع المؤسسات المجتمعية والرسمية في تقديم خدمات نوعية لتصنيف المطبوعات، وتسجيلها وترقيمها، ولا يمنع هنا من تفعيل الرقم الوطني للكتاب، بغض النظر عن مكان إصداره، وإنشاء اللجان المشتركة أو المجلس العام للمكتبات، من أجل ترويج ودعم تسيير المكتبات، ومسائل الشراء الموحد، وغيره من برامج إدارية، والإعارة الداخلية بين تلك المكتبات، بل وإجازة ومتابعة المكتبات الخاصة المتاحة للجمهور، ومعارض الكتب التجارية، وغيرها ولا شك أن بعض هذه الأفكار قد وجد لكن استمرارية بناء وتطوير الفكر المكتبي مرتبط بأدوار عدة، ولا يقتصر على وجود الكتاب وحسب .


السبب الثاني يتمثل في أن الأمر يرتبط بالمكتبيين أنفسهم من حيث تعزيز قدراتهم وتدريبهم على الخدمة المكتبية وتسويق العمل المكتبي والسير به إلى المجتمع، ومواكبة تطوير إمكاناتهم بالمستجدات، كما يرتبط بالدوريات والإصدارات المحلية الحديثة المعنية بالمصادر المعرفية، التي يفتقد إليها الواقع، كما يفتقد إلى التخصصات العلمية الأكاديمية في الجامعات، المرتبطة بالمكتبات وبمصادر المعلومات، لذا فإني مع قول المتنبي حين يقول لم أر في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام .


majedbushlaibi@gmail .com

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008