إستراحة الأسبوع
المجتمع يفرض على أبنائه طرائق التعامل
تدريب الصغار على صدّ العنف جناية أم حماية؟ آخر تحديث:الجمعة ,30/07/2010
تحقيق: دارين شبير

1/1

من زمن لآخر، ومن جيل لآخر تتغير الكثير من المبادئ والسلوكيات، وتتخذ بعض الأخلاقيات شكلاً مغايراً لما كانت عليه بالأمس، ومعها تتغير أساليب التربية لتصبح أكثر تواؤماً مع المجتمع الذي نعيش فيه . والانفتاح الكبير على العالم والتغيرات التي طرأت على المجتمع، والتقنيات التي انتشرت والبرامج التي عمت، غيرت فكر وسلوك جيل اليوم لتجعله أكثر عنفاً، وأمام هذا العنف كان لا بد من رد فعل يتصدى له، حتى لا يتحول العالم الذي نعيش فيه إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف . وأمام ذلك يجد الأهالي أنفسهم أمام مسؤولية حماية أبنائهم وتعليمهم طريقة الدفاع عن أنفسهم، لكن هناك من يشجع أطفاله على أخذ حقهم بأيديهم وعدم الاكتفاء ب “سامحك الله” التي تربت عليها الأجيال السابقة . وفي هذا التحقيق تحدثنا مع مجموعة من الآباء والأمهات للتعرف إلى أساليبهم في تعليم أبنائهم كيفية التعامل مع عنف الآخرين .


بمقارنة بين الأمس واليوم، ترى هند جبارة، جدة، الاختلاف الكبير بين الجيلين وبين العصرين، فما كان سائداً بالأمس لم يعد يتوافق مع تغيرات اليوم . وعن أسلوب التربية السابق ومدى صلاحيته للاستخدام اليوم تقول: قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه “ربوا أبناءكم لجيلهم فإنهم قد خلقوا لجيل غير جيلكم” وذلك يعني أن الزمن يتغير، وأن لكل زمن ما يلائمه من طرق للتربية والتعامل مع المجتمع وأفراده، ويعم التغيير والتطور الذي يجب أن يواكبه تغيير في التصرفات والسلوكيات ولكن بشكل متوازن . وعن الطريقة المثلى لتربية الأبناء من وجهة نظرها تقول: يجب ألا نرفض القديم بل نختار منه ما يلائم عصرنا ونضيف إليه ما هو جديد وصالح للعصر الذي نعيشه .


وتؤكد هند على ضرورة غرس المبادئ وأصول الدين لدى الطفل وتعليمه الوقوف مع الحق والبعد عن الظلم، وقالت: يجب أن ينظر إلى المجتمع من حوله، فإن كان أفراده ذئاباً فعليه أن يستأسد، وأن يتعلم كيف يأخذ حقه بيده، لأن المعتدي سيجد رد فعل يردعه عن تكرار ظلمه وبطشه بالآخرين . وعن سبب تغير المجتمع اليوم تقول: بسبب البرامج الجديدة والكرتون الذي يغذي عقول الأطفال بكل ما فيه من حب للسيطرة والعنف وإيذاء الآخرين .


وتتبع ابتسام الزعابي، سيدة أعمال وأم لأربعة أبناء، أكثر من أسلوب في تربية أبنائها، حيث تحرص على ألا يبدؤوا بالضرب والاعتداء على الآخرين، ولكنها في الوقت نفسه تعلمهم ضرورة الدفاع عن أنفسهم إن تعرضوا للاعتداء، وتقول: أبنائي مسالمون، وغالباً ما يعتدي عليهم الآخرون، فكان لا بد من أن أعلمهم كيفية الدفاع عن أنفسهم، والرد على الضرب بمثله، لأن صمتهم سيجعل الآخرين يستغلونهم، ليتطور الشتم إلى ضرب في المرة المقبلة، والضرب إلى ضرب مبرح وهكذا . وعما إن كانت هناك طرق بديلة لرد الفعل العنيف، تقول: أطلب منهم أن يخبروا المعلمة بذلك لتتخذ موقفاً، ولكن حين تقف صامتة ولا تأخذ أي رد فعل، أطلب منهم هم أن يتصرفوا ويردوا على الاعتداء الذي تعرضوا له . وشددت ابتسام على ضرورة تغيير أساليب التربية، وعن ذلك تقول: كبر المجتمع اليوم وجمع ثقافات عدة وجنسيات مختلفة، كما أن الألعاب والبرامج الخاصة بالأطفال أصبحت أكثر عنفاً وأثرت على شخصياتهم فأصبحوا أكثر عدوانية، وسادت في المجتمع مشاكل كبيرة متعلقة بالأطفال، ولذا يجب أن نكون أكثر حرصاً على أبنائنا ونعلمهم كيف يدافعون عن أنفسهم، وأن يأخذوا حقهم بأيديهم، ولكني في نفس الوقت أحرص على تعليمهم أن يتسامحوا مع من هم أصغر منهم سناً أو من لم يقصد إيذاءهم من إخوتهم أو أقاربهم .


من الصعب أن تتسبب أم في أن يصبح أبناؤها ضحية للانطواء والعنف، وأن يشعروا بضعفهم أمام الآخرين وعدم قدرتهم على الرد على اعتداءاتهم بسبب خوفها من “زعلهم” . هذا ما يؤرق مريم حسن، ربة منزل وأم لسبعة أبناء، فرغم أنها تتألم من داخلها لما تتسبب فيه لأبنائها، إلا أنها لا تريد تغيير الواقع والتعامل معه بواقعية، كونها لا تحب المشاكل وتتجنب إيذاء الآخرين وتحرص على إرضائهم ولو على حساب أبنائها، وبصوت يحمل الكثير من الأسى تقول: لا أحب المشاكل، وأتجنبها قدر المستطاع، حتى إن تعرض أبنائي للضرب أطلب منهم أن يصمتوا وألا يردوا بمثله، وأفضل أن يتدخل شخص كبير ليحل المشكلة، وألا يكون هذا الشخص أنا، لأني لا أريد أن أخسر الآخرين وأتسبب في جرح مشاعرهم، ولذلك تسببت في أن يصبح أبنائي انطوائيين، فرغم رفضهم لصمتي ولطريقتي في التعامل إلا أنهم يلتزمون بما أعلمهم إياه وما أربيهم عليه ما أثر على شخصياتهم سلباً، وجعل الآخرين يعتادون على ضربهم .


وأكدت مريم أن إخوتها وأقاربها يرفضون طريقتها، ويخبرونها بأنها تظلم أبناءها بذلك، ومع شعورها بأنها مخطئة إلا أنها تؤكد عدم قدرتها على التغيير، لتكتفي بالصمت وتبكي وحيدة . وعن موقف آلمها تقول: أخبرتني ابنتي ابنة الستة عشر عاماً أنها تحمل في قلبها هماً كبيراً من سنوات طويلة، حيث أرادت أن تعترف لي بأنها حين كانت في العاشرة من عمرها ضربت ابنة أختي دفاعاً عن نفسها فقامت أختي بصفعها على وجهها، ولم تخبرني ذلك الوقت لأن رد فعلي سيكون سلبياً وسأتضايق منها، وآلمني أنها لا تزال تحتفظ بهذا الهم بداخلها حتى اليوم، وها هي اليوم وبعد أن أصبحت فتاة ناضجة تعاتبني وتنصحني بشكل دائم ألا أجعل إخوتها الأصغر منها يعانون كما عانت هي، وتطالبني بأن أغير طريقتي في التعامل . وأما عن الطريقة التي تتبعها حالياً لحماية أطفالها تقول: لجأت لطريقة تجنبني المشاكل وهي أن أزور أهلي وأقاربي من دون اصطحاب أبنائي . وعن رد فعل زوجها على تصرفاتها تقول: حتى زوجي يعاتبني ويرفض طريقتي إلا أنه إنسان طيب وحنون، كما أنه ينتمي لنفس العائلة ما يجعله يتغاضى عن أمور كثيرة ويحرص على ألا نخسر أحداً منهم .


ويرى رشيد عزام، مسؤول إحدى شركات نقل الأثاث، أن المسؤولية مشتركة بين البيت والمدرسة والمجتمع ككل، فإن تعامل الأب والأم مع الطفل بنفس الطريقة التي يتعامل بها معلموه وأفراد المجتمع سيتعلم كيف يكون فرداً أفضل، ولكن إن تعلم من والديه ما يناقض الواقع الموجود في المدرسة فسيتشتت ويشعر بعدم قدرته على عمل توازن . ويقول: ما نراه في المجتمع كفيل أن يحول الطفل إلى إنسان عدواني، ويعلمه كيف يأخذ حقه بيده بعيدا عما رباه عليه والداه في المنزل، لأن التربية في المنزل تحتاج إلى دعم من المدرسة والمجتمع . ويضيف: يؤلمني أن يأتيني ابني باكياً من اعتداء تعرض له، وهنا لن أصمت وأخبره أن يرد ب “سامحك الله” بل سأطلب منه أن يكون أقوى وأن يرد على الإساءة بمثلها، وأن يضرب من ضربه، وهذا ما هو سائد اليوم بين جميع الآباء والأمهات، وليس من المعقول أن نرى أباً أو أماً تصمت على ضرب ابنها وتطلب منه أن يبتسم لمن ضربه .


تؤكد فريدة محمد عبدالله، مديرة فرع في بنك، وجدة، أن المسألة تعتمد على طريقة تربية الطفل نفسه، وطريقة تعامله مع الآخرين تتأثر بما يراه أمامه من سلوكيات وتصرفات وردود أفعال، ويشكل البيت اللبنة الأولى التي ينطلق منها للمجتمع . وتقول: أفضل التعامل مع الأمهات وحل المشاكل بدلاً من أن يضرب هذا ذاك، ويعيد ذاك لهذا الضربة . وعما إن تعرض أبناؤها وأحفادها للاعتداء من الآخرين تقول: العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم . وعن المبادئ التي نربي أبناءنا عليها تقول فريدة: في زمننا هذا ليس هناك مبادئ ثابتة حيث يجب أن ننظر للوضع العام، وسلوكيات المجتمع وما يناسبه من طرق للتربية، ومن تعامل الأب مع الأم والأخوة مع بعضهم بعضاً نستطيع أن نوصل لأبنائنا طريقة التعامل الجيد، وكيفية التعامل مع أقرانهم .


يوضح د . أحمد عبد العزيز النجار، اختصاصي نفسي، أن الأصل في التربية تأكيد الذات، وهو أن يشعر الطفل بحجمه الجسدي والنفسي والاجتماعي والعقلي، فيشعر بالاستقلال والقوة والثقة بالنفس، وأن يعبر عن مشاعره من دون أن يؤذي مشاعر الآخرين، ويعرف أن من حقه التملك من دون أن يعتدي على ممتلكاتهم .


ويقول: التربية في كل مكان وزمان لها نفس الهدف، ولكن المشكلة في الوقت المعاصر هي اتجاه الأهالي لمحاولة التعبير عن انفعالاتهم الغاضبة الناتجة عن الصراعات المنتشرة في المجتمع، ومحاولة إثبات الذات الذي يتطلب جهداً كبيراً ولكن بطريقة يوجهون فيها أبناءهم نحو النواقص، ذلك بأن يعلموهم أن يأخذوا حقهم بأيديهم، ويعلموهم التنمر الذي يرونه الطريقة الأفضل التي يشق من خلالها أبناؤهم طريقهم، ويعتبرون الصمت والضعف هو الفشل بعينه، ولكن للأسف تم تطبيق تأكيد الذات من خلال ما سبق بطريقة خاطئة، لأن الأهالي إن أرادوا حقاً مساعدة أبنائهم على تأكيد ذواتهم فيجب أن يركزوا على أن يكون أبناؤهم أقوياء في مهاراتهم الاجتماعية، متمكنين من مهاراتهم العقلية، متفننين في مهاراتهم السلوكية . ويؤكد أن تحقيق هذه الأبعاد الثلاثة بالإضافة إلى البعد الروحي المتمثل في الجانب الإيماني، ستجعل تربية الآباء لأبنائهم أفضل . وعن التربية السليمة والحقيقية يقول النجار: التربية السليمة ليست تربية ردود أفعال، بل هي تربية إعداد مسبق لاحتياج مستقبلي، فإن أحسن الابن الخطاب لن يخطئ فيخجل، وإن أحسن التصرف لن يعاتب فيلام، وهنا ننصح الأهالي بإعداد أبنائهم إعداداً مسبقاً، بما في ذلك من تربية وتنمية للمهارات ورفع للقدرات، وذلك ما سينعكس عليهم إيجاباً فيقلل نسبة الاعتداء عليهم، وإن تعرضوا رغم ذلك للاعتداءات فسيعرفون كيف يدافعون عن أنفسهم .


حتى لا يشعر أبناؤنا بالغربة


محمد حسن، موظف في شرطة دبي وأب لولدين، أكد أنه يجب تجنب الطرق القديمة في التربية، واتباع طرق تتلاءم مع المجتمع الذي نعيش فيه حتى لا يشعر أبناؤنا بالغربة، وحتى يستطيعوا التأقلم في مجتمعهم، ولكنه في نفس الوقت يرفض مبدأ أن يأخذ الطفل حقه بيده، وأن يتعلم هذا المبدأ منذ صغره، لأنه سيمتد معه حتى الكبر ووقتها ستتحول الحياة إلى غابة . ويقول: في بداية الأمر كنت أعلم أبنائي كيف يردون على الضرب بالضرب، ووجوب أن يأخذوا حقهم بأيديهم، اكتشفت أن ذلك خطأ، لأن الطفل ينشأ ليتحول إلى إنسان عدواني لا يحترم القانون، ولذا غيرت طريقتي في التربية وركزت على أبنائي وها أنا أحاول أن أقوي شخصياتهم بتعزيز ثقتهم بأنفسهم، لأن ذلك هو ما سيمنع تعرضهم للاعتداءات، فقوة الشخصية ليست فقط بالعضلات بل بأسلوب التعامل مع الآخرين، والذي سيجعلهم يحسبون ألف حساب قبل أن يفكروا في إيذائهم . وعن أحد المواقف التي تعرض لها يقول: عاد ابني يوماً من المدرسة مضروباً من زميل له، وأخبرني أن أحد المسؤولين هناك طلب منه أن يأخذ حقه بيده وأن يضرب زميله كما ضربه، فضايقني الأمر، وذهبت إلى المدرسة وأبديت رفضي لما قاموا به، وطلبت منهم أن يحولوا الضرب إلى اعتذار، وأن يعتذر زميل ابني عن ضربه له على الملأ بأن يتأسف له أمام الجميع .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008