رأي ودراسات

البحـــث

    
ضرورة التنمية المستقلة آخر تحديث:السبت ,10/07/2010

عوني فرسخ

ليس في واقع التجزئة اقتصاد عربي مزدهر، وإنما اقتصادات قطرية تعاني تخلفاً نتيجة السياسات المعتمدة، خاصة في العقود الأربعة الماضية، وكنتيجة لتزايد التبعية للقوى المالية والاقتصادية الدولية، وما تفرضه من املاءات، فضلاً عن ازدياد الأهمية للاقتصاد الريعي والمضاربات المالية، مقابل تراجع طردي في أهمية القطاعات الانتاجية الزراعية والصناعية، ما أسفر عن تزايد الانكشاف على الخارج . كما تسبب نمط توزيع الريع وإعادة تدويره إلى مزيد من البطالة والتهميش الاقتصادي والاجتماعي لفئات واسعة من المواطنين العرب . ما يجعل “التنمية المستدامة” ضرورة تاريخية لتصحيح المسار التنموي بإعادتها الاعتبار إلى مفهوم الدولة التنموية، التي غابت عن الوطن العربي، وغاب معها دورها في الريادة والتوجيه للخروج من التخلف والتبعية .


وغير مقصود بالتنمية المستقلة الانكفاء على الذات والانغلاق دون الآخرين، إذ هما مستحيلان في عصر العولمة . وإنما المقصود بذلك توفير أكبر قدر من حرية الفعل للإرادة الوطنية، المستندة لتأييد شعبي حقيقي، في مواجهة المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، وبحيث تتوافر القدرة على التعامل مع الخارج بما يصون المصالح الوطنية . وليس من شك أن الاستقلال في عالم اليوم أمر نسبي، والمراد به تأمين مستوى معقول من السيطرة الاجتماعية على شروط تجدد الإنتاج وتسخير العلاقات الخارجية لخدمة مصالح التطور الداخلي، واشباع الحاجات الأساسية للمواطنين، وبناء هيكل اقتصادي متطور ذي تشابكات قوية بين قطاعاته المختلفة . مع اعتماد التنمية بصورة رئيسية على القوى الذاتية للمجتمع، وفي مقدمتها القدرات البشرية والمدخرات الوطنية .


والملاحظ أن الدول الكبرى في الوقت الذي تنتقي فيه من العولمة ما يوافق مصالحها، تمارس ضغوطاً على الدول النامية كي تلتزم بالتحرير العاجل والشامل لتجارتها، وإلغاء الدعم لصناعتها الناشئة، وازالة القيود عن دخول الاستثمارات الأجنبية، والالتزام الأعمى بجميع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية . ما يبرر الدعوة للتنمية المستقلة مع الاستفادة المحددة من بعض جوانب العولمة مثل المعلوماتية والاتصالات والاستثمار الأجنبي المنضبط، وأسواق المال الدولية .


ويستند مفهوم التنمية المستقلة في “المشروع النهضوي العربي” إلى تحرير القرار التنموي القطري والقومي من السيطرة الأجنبية، واعتماد مفهوم واسع للرفاه الإنساني كغاية تنموية، بمعنى الوفاء بالاحتياجات المادية للمواطن إلى جانب تمتعه بالمكونات المعنوية: الحرية، والمعرفة والجمال . واعتبار المعرفة شرطاً أساسياً للقيمة في العالم المعاصر . وإنشاء نسق مؤسسي فعال موجه نحو التكامل القومي، وصولاً إلى ما يمكن تسميته “منطقة مواطنة عربية حرة” . والانفتاح الإيجابي على العالم المعاصر .


وفي مقدمة ركائز التنمية المستقلة تسليح الاقتصاد بأكبر قدر من قوة الدفع الذاتي، وتمكينه من مواجهة الضغوط الخارجية . وتخفيف الاعتماد المفرط على استيراد السلع والخدمات، لا سيما في مجالات الحبوب، والسلع الوسيطة والرأسمالية، والمعارف الإنتاجية، والخدمات العلمية التكنولوجية، وتوسيع الاستثمار في الزراعة بشكل عام، وإنتاج الحبوب بصفة خاصة . مقابل توسيع سلة الصادرات العربية من السلع والخدمات، بما يقلل من الاعتماد المفرط على النفط . وحصر حجم الدين العام الخارجي .


وتستدعي التنمية المستدامة، إحداث زيادة ضخمة في المدخرات الوطنية، باعتبار ذلك شرط استقلالية التنمية واطرادها . الأمر الذي يتطلب ضبط الاستهلاك الترفي . ذلك أن التنمية المستقلة مستحيل تحققها بالمعونات الخارجية والاستثمارات الأجنبية . والأمر يتطلب أيضاً تصويب حركة عوائد النفط العربية بتوجيهها نحو الداخل العربي والحد من تدفقها نحو الخارج، ضماناً لحسن توظيفها في التنمية العربية، وتأمينها ضد تقلبات الأسواق الخارجية .


وتدل خبرات التنمية في العالم المعاصر على دور الدولة المحوري في تحريك قوى التنمية وتأمين اطرادها . ومهمة الدولة التنموية الأولى السيطرة على الفائض الاقتصادي ومركزته، والاشتراك المباشر في مجال الإنتاج والاستثمار الانتاجي . والنهوض بالقدرات العلمية والتكنولوجية الوطنية، وتأمين تكاملها مع متطلبات البرنامج المتكامل للتصنيع والتنمية الشاملة . كما تفترض التنمية المستقلة أن تتولى الدولة، من خلال قطاع عام كفء، عجلة القيادة الاقتصادية الحقيقية، مع إتاحة الفرصة لنشاط القطاع الخاص الوطني المنتج، الذي تتكامل نشاطاته مع الخطة الوطنية، وليس مع توجيهات الشركات دولية النشاط .


كما تستوجب التحديات المشتركة التي تجابه الأقطار العربية وسائر دول الجنوب في سعيها للتنمية التكامل الاقتصادي العربي والتعاون مع دول الجنوب، لمواجهة التحديات الخارجية جماعياً . فضلاً عن أن حجم الاقتصادات القطرية يشكل قيداً يعوق إمكانية تنميتها المستقلة، وأن إيجاد “منطقة تكاملية اقتصادية عربية” تعتبر ضرورة اليوم أكثر منها في أي وقت مضى .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

03/09/2010
نحو تقويم موضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية

27/08/2010
هذه الدعوة لبدء “المفاوضات المباشرة”

20/08/2010
لماذا يتنكرون لحقائق الصراع؟

16/07/2010
لا نهضة عربية من دون الوحدة

02/07/2010
جدلية الديمقراطية والتجدد الحضاري العربي

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008