كان البيض والأحذية المرشوقة أفصح تعبير عن الإدانة الشعبية للنظام الأخلاقي الذي يستلهم منه توني بلير سلوكه وتصرفاته وأفكاره، وهو نظام خارج الأخلاق بالمرة، لأنه يقوم على الكذب، والتزوير، وتبرير الجرائم . الغضب على بلير لا ينبع فحسب مما كشفه الآخرون القريبون منه عن استخدامه لكل أدوات الإفك للاحتيال على الأمم المتحدة ولخداع شعبه، وإنما أيضاً من كتابه نفسه الذي يحاول فيه تبييض صفحته .
بلير لا يريد أن يعترف مباشرة بأنه اقترف الأكذوبة تلو الأخرى حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، لكنه يقول ذلك مداورة حين يعلن أنه كان مع غزو العراق حتى لو لم تكن هناك تلك الأسلحة . بملء فيه، يقول إن مئات الآلاف من ضحايا الحرب الأبرياء ليست لديهم قيمة في حساباته السياسية، وأن تدمير بلد بأكمله يهون من أجل تحقيق مصالحه .
وكعادة أمثاله ممن يستمرئون قتل الأبرياء يجهد من أجل تقديم المسوغات الملتوية، وينصب نفسه كما فعل بوش، مرجعية لما ينبغي أن تكون عليه البلدان الأخرى، ويقيم نفسه حكماً للفصل في من يستحق البقاء، ومن مصيره الفناء، وهو لا يثير إلا نفوراً عند أهل القيم الإنسانية الحقيقية في بلده التي تعبر عن اشمئزازها برشقه بالبيض والأحذية، ويستفز بعض العقول التي ترى في ذلك مخاطر على بلدها من حيث إنها تستفز الآخرين للرد بنفس لغة العنف التي يتباهى باستخدامها .
ويخطئ من يظن أن بلير كحليفه بوش ظاهرة منبتّة الصلة عن التراث الغربي، وهو تراث قام على قانونين ، منذ عهد روما، أحدهما للغرب والآخر لبقية العالم . هما ظاهرة من صلب التراث الغربي، وهي منفصلة عنه قدر انفصال الظاهرة الاستعمارية نفسها عن هذا التراث . وبلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تشهد كيف أن تدميرها واحتلالها واستغلالها في القرنين الماضيين تمت تحت شعار تنميتها وتمدينها، تماماً كما تم شن الحروب في النصف الثاني من القرن الماضي على كثير من البلدان لتخليصها مما كانوا يسمونه “الخطر” الشيوعي، وتماماً كما حاول بوش مع رفيق دربه بلير “تمدين” الشرق الأوسط، وصياغته على مقاس السلم الأخلاقي الغربي . وهذه الظاهرة ليست إلا جزءاً أصيلاً من نظام استعماري له امتداد طويل في الزمان والمكان، وهي في فجاجة افترائها ليست خارج سياق العالم المعاصر، إنما بدت كذلك لأنها أخفقت في مسارها وفي تحقيق أغراضها .
عالم الغرب المعاصر ما زالت لديه القوانين، وما زال يقف في قمة التلة يشرف منها بكل العجرفة والعنصرية على الشعوب الأخرى، لكن بأشكال أكثر رهافة، وأساليب أكثر دهاء . ويكفي أن ننظر إلى المحاكم التي يقيمها الغرب للآخرين المتهمين بانتهاك حقوق الإنسان، وارتكاب جرائم الحرب، ثم نقارنها بمن يفتخرون في الغرب، بما فيه أحد نماذجه “إسرائيل”، بارتكاب كل ذلك، ثم يحصدون المال الوفير من بيع مذكراتهم، مع أنها تشكل سجل إدانة ضدهم، لأنها تروي فصولاً سيئة صنعوها، وعانت منها شعوب وأوطان وأمم .