في خضم الجدل الاقتصادي المتنافر النبرات في واشنطن، يبرز رقمان لافتان هما 5،7% و0،4% . ويقول المحلل جيرالد سيب في مقالة له بصحيفة “وول ستريت جورنال” إن هذين الرقمين يمثلان معدلي النمو الاقتصادي في آخر ربع سنة في الولايات المتحدة وأوروبا على التوالي . ويميل الفرق لصالح أمريكا بشكل صارخ يسترعي الانتباه بسبب ما يمكن أن يعكسه عن حالة الوضع الراهن والدروس التي يمكن أن يستخلصها واضعو السياسات .
يرى الكاتب أن الهوة بين معدلي النمو الأمريكي والأوروبي يمكن أن تعزى من ناحية إلى الدورات الاقتصادية، ومن ناحية أخرى إلى بعض التوسع الاصطناعي في رقم النمو الأمريكي للربع الأخير من العام 2009 . ولكن التباين بين المعدلين يوحي أيضاً برأي الكاتب بأن هناك بعض أشياء قليلة أنجزت على نحو صحيح في الرد الأمريكي على الأزمة الاقتصادية خلال العامين الماضيين، وأن ما أنجز على نحو صحيح في أوروبا قليل للغاية .
ويشير سيب إلى أن تلك القضايا لم تخضع للاستكشاف خلال النقاش الاقتصادي في واشنطن الأسبوع الماضي والذي تركز تحديداً على ما إذا كان برنامج التحفيز الاقتصادي الذي وقع عليه الرئيس الأمريكي باراك أوباما قبل عام قد أنجز الكثير أم لا .
ويوضح الكاتب ان ذلك السؤال لن يلقى الإجابة هذا الأسبوع أو بحلول الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ولكن يمكن، برأيه، افتراض أن برنامج التحفيز لم يكن ناجحاً بالقدر الذي يدعيه البيت الأبيض ولم يكن غير مجدٍ بالقدر الذي يؤكده الجمهوريون .
والأمر الأكثر إثارة للإهتمام، كما يقول الكاتب، هو ما يتعلق بالطريقة التي تعمل من خلالها كل القوى التي حشدتها الولايات المتحدة لمواجهة الأزمة والأسباب التي تجعل الصورة تبدو مختلفة للغاية حالياً على الجانب الآخر من الأطلسي .
في ابريل/نيسان الماضي، ذهب أوباما إلى بريطانيا لحضور قمة الدول الاقتصادية الكبرى في العالم وذلك وسط شكوك كثيرة وسط القادة الأوروبيين إزاء قيمة إجراءات التحفيز الاقتصادي، وحول الحكمة وراء “اختبارات ضغوط” البنوك التي تخطط لها الولايات المتحدة وفي ظل درجة من الثقة بأن النظام الرقابي في أوروبا أفضل في منع حدوث المشاكل وفي السيطرة عليها .
بيد أن الصورة في أوروبا تبدو مخيفة أكثر مما تبدو في الولايات المتحدة مع تداخل المشاكل المصرفية مع مصاعب الدين الوطني .
وهناك أيضاً ذلك النمو الاقتصادي الأوروبي البطيء، ويمكن، برأي سيب، ان يُعزى جزء من التفاوت في النمو عبر الأطلسي إلى بعض أخطاء في آخر أرقام أمريكية . ويضيف أن بعض التفاوت يمكن أن يعزى لفروقات في الدورات الاقتصادية، إذ إن الولايات المتحدة شهدت التراجع قبل أوروبا وربما بدأت تتعافى قبل القارة العجوز .
ويقول مايكل موسى وهو مستشار اقتصادي سابق في صندوق النقد الدولي ويعمل حالياً في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي ان الولايات المتحدة ربما سبقت أوروبا في الدورة . بيد أن سيب لا يرى أن التوقيت يفسر كل شيء . فالهياكل الاقتصادية المختلفة والقرارات السياسية تلعب دوراً أيضاً . وبالنسبة للشركات المبتدئة، كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أكثر إقداماً من نظيره الأوروبي في خفضه أسعار الفائدة وضخ المعونات النقدية . ويرى موسى أن سياسة الولايات المتحدة فعلت المزيد وبسرعة أكبر، في ذلك الاتجاه، من أوروبا .
وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تنجح بعد في سن قوانين بشأن تغيير كامل في نظام الرقابة المالية لديها، إلا أن تحركات هيئات الرقابة الأمريكية في ذلك الاتجاه ساعدت على حث البنوك على تنظيف ميزانياتها العمومية وتخفيض رافعتها وتعزيز رؤوس أموالها .
وتوضح البيانات أن البنوك الأمريكية خفضت أصولها العقيمة، غير المنتجة، وجمعت رؤوس أموال جديدة بسرعة أكبر من نظيراتها الأوروبيات وخفضت رافعاتها بنسبة أكبر .
ويوضح الكاتب أن قدرة البنوك على أن تسبق في تحركها هيئات الرقابة تكشف أيضاً واحدة من تفوق مزايا النظام الأمريكي على النظام الأوروبي: فنظراً لوجود تدخل أقل نسبياً من جانب الحكومة، يمتاز الاقتصاد الأمريكي بأنه أقل جموداً وأكثر رشاقة وميلاً للتكيف الذاتي لتحفيز النمو . ويبدو أن “اختبار الضغط” الذي أجرته وزارة الخزانة الأمريكية على البنوك الكبرى لترى أي بنوك منها تستطيع، أو لا تستطيع، التعامل مع المزيد من الضغط الاقتصادي، حقق الهدف المطلوب حيث إن الوزارة أرغمت البنوك المتزعزعة على تعزيز رؤوس أموالها وطمأنت الأسواق المالية على أن الآخرين في وضع جيد .
ونتيجة لذلك، يقول سيب إن التمويل بدأ على الأقل بالتحرك بشكل طبيعي عبر النظام المصرفي الأمريكي .
وبالنسبة لأوروبا، فإنها لاتزال تكافح جوانب القصور في جهودها الرامية لإيجاد منطقة اقتصادية موحدة عبر كثير من الدول . وتجد القارة العجوز صعوبة سياسية أكبر في التحرك سريعاً فيما يتعلق بالسياسة النقدية وتواجه صعوبات أكبر في تنسيق أنظمة الإنفاق والرقابة .
وهكذا، يقول سيب ان صورة التصنيع الأمريكية أكثر إشراقاً وحتى شركات السيارات المتعثرة لديها تعمل على نحو أفضل من نظيراتها الأوروبيات . بيد أن الكاتب يختم مقالته بأن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة خرجت من الأزمة، أو أن أوروبا لن تجد طريقها للخروج منها، أو أن صعوبات الديون التي تواجه أمريكا لن تعود لتؤرقها .