رأي ودراسات

البحـــث

    
المفاوضات المباشرة هدف "إسرائيلي" ووسيلة فلسطينية آخر تحديث:الجمعة ,03/09/2010

رغيد الصلح

على أعتاب المفاوضات المباشرة بين الحكومة “الإسرائيلية” والسلطة الفلسطينية تثار أسئلة كثيرة حول موقف بنيامين نتنياهو الحقيقي من المفاوضات ومن التسوية السياسية بين العرب و”الإسرائيليين”، ومن ثم حول مستقبل المفاوضات التي سوف يلعب فيها رئيس الحكومة “الإسرائيلية” الدور الأهم . من هذه الأسئلة ما أثارته صحيفة “جيروزالم بوست”: هل يملك بيبي القدرة أو الرغبة في تمديد قرار تجميد الاستيطان في نهاية هذا الشهر؟ هل يملك الرغبة أو القدرة على توقيع اتفاق لا يجمد الاستيطان فحسب بل ويلغي مستوطنات قائمة فعلاً؟


إذا بدأنا بالرغبة والنوايا، يقول مراقبون “إسرائيليون” وغيرهم إنه من الصعب جداً الوقوف على حقيقة نوايا نتنياهو . فكثيراً ما اتهم، حتى من وزراء رئيسيين في حكومته، بالانتهازية والكذب الصريح . وسجله ليس كافياً لتكذيب هذه الاتهامات . فهو أعلن بعد إخفاقات متعددة خلال التسعينات، انسحابه من الحياة السياسية، ولكن الانسحاب لم يدم


مطولاً إذ عاد إليها من جديد لكي يستأنف نهجه الزئبقي من جديد .


وعندما شكل نتنياهو الحكومة “الإسرائيلية” لأول مرة عام ،1996 أثار وصوله إلى هذا الموقع قلقاً عميقاً في الأوساط العربية والدولية لأنه كان محسوباً من غلاة المتطرفين من بين “الإسرائيليين” . بيد أن نتنياهو سعى إلى تهدئة ردود الفعل السلبية التي أثارها وصوله إلى رئاسة الحكومة عن طريق دخول المفاوضات مع الفلسطينيين وتوقيع اتفاق وي ريفر عام 1998 . ولكن توقيع الاتفاق شيء والتمسك به شيء آخر، فقد عمد إلى التملص تدريجيا من بنوده، ومن بعدها إلى الانقلاب الكلي عليه وعلى نهج التفاوض مع العرب بعد أن هزمه آرييل شارون في معركة التنافس على زعامة حزب ليكود .


إبان هذه المعركة بدا وكأنه من المستطاع الاقتراب من نتنياهو الحقيقي، إذ نشر مقالاً في “لوس أنجلوس تايمز” (6/4/2002) تحت عنوان يحمل الكثير من الدلالات إذ قال: “النجاح للقوة العسكرية وحدها” . واتسم هذا المقال بأهمية ملحوظة لأنه جاء بعد أيام قليلة من إطلاق مبادرة السلام العربية . وإذ دعت هذه المبادرة إلى الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة والى قيام دولة فلسطينية مستقلة، فقد سلط نتيناهو نقده على الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وعلى منظمة التحرير الفلسطينية قائلاً: إنه لا مجال ولا أمل في التفاوض ولا في عقد معاهدة سلام معهما . ورغم سلسلة الاتفاقات التي وقع عليها عرفات مع الحكومات “الإسرائيلية”، فإن نتنياهو “اتهمه” بأنه يعمل على إغراق “إسرائيل” بملايين الفلسطينيين ما يعني “تدميرها” .


إزاء هذا النهج، وإزاء استمرار “الارهاب الفلسطيني” اعتبر نتنياهو أن هناك “خياراً وحيداً باقياً ل”إسرائيل” ألا وهو كسب الحرب المفروضة عليها بصورة حاسمة' . وانتقد بيبي حكومة شارون لأنها لا تضطلع بهذا الواجب، ولأنها تلجأ إلى اتخاذ التدابير العسكرية 'ضد الارهابيين بنصف قلب” . وإذ أكد نتنياهو أن هذه التدابير لن تؤدي إلى تحقيق الغاية المنشودة وهي أمن الدولة الصهيونية، فإنه دعا “الإسرائيليين” إلى التوقف عن مراعاة “المجتمع الدولي” لأن هذه المراعاة لن تشفي “إسرائيل” من العلة التي تشكو منها ألا وهي “نظام عرفات” .


قد يكون في هذه المواقف الكثير من المزايدة على شارون الذي سبق نتنياهو في سباق التنافس على زعامة ليكود، لكن ليس فيها ما هو غريب عن شخصية رئيس الحكومة “الإسرائيلي” الذي نشأ في كنف أب كان من المقربين إلى فلاديمير جابوتنسكي ومن الناشطين في حلقات الصهاينة 'التحريفيين' . ولم تكن هذه المواقف غريبة عن بيبي الذي نما في أجواء تجمع ليكود ومناخاته الصقورية . ثم إن هذا النوع من المواقف لا يبعد كثيراً عن مواقف القادة “الإسرائيليين”، ليكوديا كان أم عمالياً فهناك قاسم مشترك بينها، أي هذه المواقف، جميعا .


إن المفاوضات هي عند الذين يعتقدون بإمكانية تحقيق السلام بين العرب و”الإسرائيليين” وسيلة لتحقيق هذا السلام . أما عند غالبية القيادات الصهيونية فكانت، في الإطار التفاوضي، هدفاً في حد ذاته . لذلك قال إسحاق شامير بعد مؤتمر مدريد مباشرة إن “إسرائيل” ستفاوض عشرين عاماً ولن تقدم أي تنازل . ما عدا ذلك كانت المفاوضات ولا تزال وسيلة لإحراج الفلسطينيين والعرب بغرض إظهارهم بمظهر المتصلب والمتعنت الذي يرغب في الحروب وسفك الدماء . كذلك كانت المفاوضات أو التلويح بها، وسيلة لزرع الشقاق في صفوق الفلسطينيين والعرب بين “معتدل” يريد السير في طريق التسوية، و”متصلب” يرفض هذا الطريق . وفي كافة الحالات كانت المفاوضات وسيلة لكسب الوقت واستنزاف العرب في مجال المناورات الدبلوماسية البحتة بينما يمضي الصهاينة و”الإسرائيليون” في توسيع وتعميق الاستيطان وفي السطو على الأراضي الفلسطينية .


انطلاقاً من هذه النظرة، شنت حكومة نتنياهو حملة مطالبة صاخبة بعودة المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين، ومارس “الإسرائيليون” ضغطاً شديداً عبر واشنطن على السلطة الفلسطينية من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات . وأوحت هذه الحملة لمن لا يعرف شيئا عن تاريخ القضية الفلسطينية والعلاقات العربية- “الإسرائيلية”، بأن الحكومة “الإسرائيلية” لديها بالفعل ما تبحثه وما تقدمه في هذه المفاوضات . بيد أن هذه الفرضية تعرضت إلى التلاشي الكلي بعدما أعلن الفلسطينيون قبولهم بالمفاوضات . عندها سارع الزعماء “الإسرائيليون” ومنهم وزير الخارجية افيغدور ليبرمان إلى سحب التوقعات المتفائلة من سوق التداول في بورصة العلاقات “الإسرائيلية”-الفلسطينية، إذ حذروا من تعليق الآمال الكبيرة على المفاوضات . ورافق هذا التحذير نشر مناخ واسع من التشاؤم ومن التقليل من أهمية المفاوضات إذ ذكر دبلوماسيون “إسرائيليون”، رفضوا إعطاء أسمائهم إلى الإعلام، أن معلوماتهم تقول إن الرئيس مبارك، وملك الأردن لن يحضرا افتتاح المباحثات إلا إذا جاءتهما دعوة مباشرة من الرئيس أوباما . كذلك قيل إن حماس الإدارة الأمريكية للمفاوضات بات أخف الآن بعد إتمام مراسيم إنهاء المهمات القتالية للقوات الأمريكية في العراق .


إذ أخذت هذه المعلومات والأقوال التي تطوع “الإسرائيليون” بنشرها تفعل فعلها في واشنطن، فقد بادر دبلوماسي “إسرائيلي” إلى التنبيه من المبالغة في التقليل من أهمية المفاوضات لئلا تتحول إلى “نبوءة تحقق ذاتها”، فتنتهي المفاوضات قبل أن تحقق الغرض “الإسرائيلي” المطلوب منها، ألا وهو تسهيل الاستيطان وتعميق الشروخ الفلسطينية . فالمطلوب هو مفاوضات لها من الصدقية ما يصلح لتغطية التوسع “الإسرائيلي”، ولكن لا تتسم بالجدية بحيث تلزم “الإسرائيليين” بشيء .


كاتب لبناني

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

03/02/2012
الجامعة العربية، الميثاق والأزمة السورية

27/01/2012
المسألة السورية بين التعريب والتغريب

20/01/2012
العرب وطبول الحرب التي تقرع ضد الصين

13/01/2012
"إسرائيل" ليست "فاتيكان للديمقراطية"

06/01/2012
حكومات الأطلسي وجامعة الدول العربية

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008