كيف تحمي الثقافة العربية المفردات والمكونات الأساسية الحامية لهويتنا؟ لعل هذا السؤال مثل طوال القرنين الماضيين القضية الأساسية والمركزية للفكر العربي الحديث والمعاصر، تلك القضية التي تقنعت خلف العديد من التيارات بكل ما تجلى عنها من جدل سياسي وفكري، القضية كما هي منذ بداية الاتصال بالغرب ومروراً بالموجة الاستعمارية وحتى صعود ظاهرة العولمة، ولكن يبدو أن الحال العربي هو الذي يسير من سيئ إلى أسوأ، وحتى عندما كان الفكر العربي في أفضل حالاته فإنه عجز عن تقديم إجابة مرضية ومتكاملة عن هذا السؤال، لقد طرحنا هذا السؤال على مجموعة من مثقفينا لنكتشف من خلال الإجابات مناطق انزياحات جديدة ربما تسهم في التوصل للخروج من هذه الإشكالية .
يرى د . جابر عصفور أن الثقافة العربية القائمة بحاجة إلى مراجعة جذرية لمجموعة من الظواهر التي تعوقها عن التقدم والمحافظة على هويتها المميزة، ومن هذه الظواهر مبدأ المركز الوحيد والأطراف التابعة الذي تهاوى فعليا ولكنه لا يزال يعشش في بعض الأذهان العاجزة عن التغيير أو إدراك التحولات الموجبة في العلاقات الثقافية، التي ينبغي أن تكون علاقة بين أكفاء وليس بين كبار وصغار، أو مركز وحيد وهوامش تابعة، ومن هذه الظواهر السلبية كذلك تلك الحساسية الثقافية المسكوت عن النطق بها بين ثقافة المشرق وثقافة المغرب، وهي حساسية آن الأوان لوضعها موضوع المساءلة بما يقضي على احتمالات الفرقة، ويؤكد معاني الوحدة الثقافية التي تعنى بالتنوع والاختلاف والحوار بين الأطراف الفاعلة التي تملك الحق نفسه من المغايرة والإبداع .
ويشير د .عصفور إلى أنه لا يمكن مواجهة هذه الظواهر السلبية التي لم يعد من المقبول السكوت عنها إلا بالحوار متكافئ الأطراف، من المنظور الذي يؤمن بتعدد المراكز الثقافية وضرورة تنوعها واختلافها، فالهدف النهائي هو الانتقال بالإنسان العربي من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية ومن التخلف إلى التقدم، ومن المنطق في هذا السياق أن تحترم الأقطار العربية خصوصيات بعضها بعضاً وأوضاعها الخاصة، وذلك عن طريق الحوار والتفاعل الثقافي الذي يعمل على إزالة الفوارق الثقافية السلبية ويؤكد التضافر الذي لا يتناقض والهويات الفرعية، بل يجعل منها مصدر ثراء وغنى، وما ينطبق على الكل ينطبق على البعض، فمن غير المعقول أن ندعو إلى حوار ثقافي على المستوى القومي ونغفل أهمية هذا الحوار على المستوى القطري، وهو أمر حتمي للأقطار العربية التي تتباين أقلياتها العرقية وتختلف عناصرها السكانية من حيث الأصول العرقية أو الاعتقادية، فقد مضى وقت طويل على تجاهل مشاكل الأقليات في الوطن العربي من المنظور السياسي والثقافي، الأمر الذي أخذ يؤدي إلى نتائج قابلة للانفجار في أية لحظة ولا نجاة منها إلا بالحوار الثقافي المفتوح الذي يفضي إلى تحقيق المطالب الإنسانية العادلة .
ويعني ذلك كله، لدى عصفور، حتمية التسامح السياسي والفكري والاعتقادي الذي ينبني على حق الاختلاف وحرية الاجتهاد ما ظل هذا الحق، وما ظلت هذه الحرية بعيدين عن المدار المغلق للتعصب والتطرف، ولن يتحقق ذلك إلا باقتلاع ثقافة التعصب واستبدال غيرها بها في مناهج التعليم وبرامج الإعلام ومؤسسات الثقافة والتثقيف، خصوصا أننا لا نزال نعيش في ظل ثقافة قومية لا تزال مشحونة بألوان التعصب والتمييز المختلفة، كما نعيش في أوضاع إقليمية تهددنا فيها المخاطر نفسها، خصوصا مع وجود “إسرائيل” بسياستها العنصرية الوحشية، والاحتلال الأمريكي للعراق الذي ينتهك حقوق الإنسان العراقي يوميا تحت شعارات زائفة عن الحرية والتقدم، فضلا عن الهيمنة الأمريكية التي تستعيد زمنا إمبراطوريا لا مستقبل له.
التسامح
أما د . رفعت السعيد فيؤكد أن الثقافة العربية تعاني مشكلات حرية التعبير والإبداع والاعتقاد، وفي نفس الوقت صعوبة الوصول إلى المتلقي سواء كانت الوسيلة الثقافية كتابا أو فيلما أو مسرحا أو سينما، وهناك أيضا الإنتاج الثقافي المبتذل الذي تروج له فضائيات (بير السلم) التي هي غاية في التخلف العقلي وعلينا أن نحمي أنفسنا من أنفسنا أولاً قبل أن نحميها من الآخر .
يقول د .السعيد: أعتقد أن الحضور الخلاق لثقافة التسامح المقرونة بالحرية في كل مجالاتها وأشكالها سوف ينقلنا من ثقافة الاتباع إلى ثقافة الإبداع ومن ثقافة التخلف إلى ثقافة التقدم، ومن ثم ينقل الفعل الثقافي من عقلية الاستهلاك إلى عقلية الإنتاج التي تتحول بها العقول والقرائح العربية إلى عقول وقرائح خالقة، تسهم في تقدم الإنسانية كلها، وفاعلة في الإبداع الثقافي للإنسانية كلها، فالعرب في النهاية هم أبناء عائلة كبيرة متكاملة، متكافئة الأطراف لا تمييز فيها بين شرق وغرب أو شمال وجنوب أو عوالم أولى وثانية وثالثة، فقيرة أو غنية بل مجموعة إنسانية متجاوبة، متعاونة يستفيد بعضها من بعض بما يؤكد قدرة الجميع على التصدي للمشكلات الكبرى التي لم يعد بوسع أية دولة بمفردها مواجهتها أو التغلب عليها .
ويشير الكتاب صلاح عيسى إلى أن فكرة استهداف الثقافة العربية متعسفة بعض الشيء، فالغرب بشكل عام يسعى إلى الانفتاح على الثقافات الأخرى مثل اهتمامه بموسيقا الراي، وهناك الاهتمام بالمطرب المصري محمد منير الذي ينطلق في أغانيه من التراث النوبي، كما أن جوائز نوبل الآن تتنوع عند النظر في الحاصلين عليها مثل التركي أورمان باموقي والمصري العربي الوحيد نجيب محفوظ، كما أن اليونسكو تهتم بالتراث الثقافي للشعوب المختلفة . وهناك حركة اتصال واسعة بين شعوب العالم جعلت وجبات “التيك أواي” الأمريكية تنقل إلى الوطن العربي و”الطعمية” المصرية إلى الغرب و”التبولة” الدمشقية إلى أمريكا، فالعولمة الثقافية لا تنفي الخصوصية بل بالعكس تحتفي بها، وأصبحت الأغاني الخليجية والموسيقا الخليجية مستساغة للآذان المصرية، وعرفنا أصواتا مثل نبيل شعيل ومحمد عبده وعبد المجيد عبد الله، فلا داعي للقلق، وربما يكون نحن الذين لدينا انحيازات ضد الثقافات المتنوعة في الداخل مثل التعصب لدى بعض الاتجاهات التي تريد أن تمحو الهوية الخاصة لجماعات الأقلية داخل المجتمعات العربية التي تعاني التهميش في ثقافتها مثل الموسيقا والترانيم القبطية المستخدمة في الكنائس المصرية، وهي جزء من التراث الوطني وعلينا المحافظة عليها وتسجيلها لأن فيها جزءاً من التقاليد الاجتماعية المتعلقة بمذاهب دينية أو فئات عرقية، كذلك أفراح النوبيين في مصر والتنويعات الخاصة بالأمازيغ في المغرب .
نحن نتكلم عن الهوية باعتبارها الوحدة القائمة على التنوع ما بين الفرعوني والبابلي واليوناني والروماني والقبطي، والبعض يعترض على ترميم الآثار اليهودية في مصر وهذا لا يليق لأنها آثار صنعها يهود مصريون، فالثقافة العربية غنية جدا في داخل القطر الواحد ولا يوجد ما يتهددها بل هناك روافد من كل الحضارات والمجتمعات تصب فيها ما يجعلها جديرة بأن تكون ثقافة عالمية واحدة .
أوهام
يقول جورج قرم: من الخطأ التفكير أننا وحدنا في هذا الصراع الدائر بين الهويات المحلية والقومية وبين ما يجري في العالم . نحن جزء من العالم الحديث، وما يسري عليه يسري بالضرورة علينا . علينا ألا نتوهم أن ثمة غزواً أو اقتحاماً أو رغبة من الغرب في محو هويتنا أو تدمير خصائصنا الثقافية والحضارية والنفسية . لقد ساد هذا التصور لوقت طويل، ولا يزال البعض يُشهره كلما استجد الكلام حول صراع القيم والهويات . أنا أقترح هنا أن نستبدل مصطلح “الغرب” ب “العولمة” . المشكلة الجوهرية لم تعد موجودة بين هويات مهددة وهويات مهددة . العولمة ليست حكراً فقط على الغرب، الغرب مفهوم أقدم من العولمة . الغرب كان يقوم على الاستعمار ونهب الثروات وربط مستقبل المستعمرات بها، بالمقابل، تشتغل العولمة وفق آليات وسياسات أخرى . العولمة تتضمن نوعاً من “الاستعمار” أو “الغزو”، ولكن لا يمكننا أن نتخيل أن ثمة معركة تدور بينها وبين الهويات المحلية للشعوب والقوميات الموجودة في عالمنا، والسبب في ذلك أن العولمة ليست تياراً ذا بنية خطية واحدة، إنها عملية متشعبة ومعقدة لمجموعة هائلة من الأفكار والممارسات التي تتوالد عنها أفكار أصغر وممارسات أدق . أتصور أن من العبث اليوم الحديث عن توصيات أو قرارات يمكنها أن تحمي أي هوية محلية أو قومية من الاختراق، العالم العربي والإسلامي هو أحد الهويات أو الانتماءات الكبرى الموجودة، ولكن هل ما زال ممكناً النظر إلى هذه الهوية الدينية واللغوية باعتبارها صفةً لكل فردٍ أو جماعة تعيش داخل العالم؟ أظن أن الوقت قد حان للتفكير في الهويات والخصوصيات الجزئية، إضافة إلى ضرورة التوقف عن ثقافة التباكي والشكوى التي توهمنا بأن السبب الأساسي لكل مشكلاتنا هوالغرب أو العالم المتقدم، متناسين التخلف الذي نرزح فيه .
ويقول فواز طرابلسي: إن الثقافة قادرة على حماية هويتها عن طريق تعريضها لهواء الأفكار الأخرى التي تهبّ عليها، حتى لو كان بعض هذا الهواء ساماً أو قادماً بهدف اقتلاع أو زعزعة هذه الهوية . القصد أن حماية هويتنا لا تتم بتقوقعنا على ذاتنا، ورفض كل جديد يأتي من العالم الخارجي، علينا أن نحافظ على موقعنا في العالم من خلال تأمين عناصر القوة والبقاء لهويتنا وثقافتنا، وعلينا ألا ننسى أن التفاعل الثقافي يقوّي الطرفين إذا كانت النية هي استثمار هذا التفاعل، وأظن أن علينا كعرب ومسلمين أن نخفف من افتخارنا بماضينا وجعله نوعاً من الهوية الراسخة والثابتة وغير القابلة للتبدل أو التطور . إن التطور لا يعني أننا نفقد هويتنا، بل يعني أننا نمدها بأسباب الحياة . أين المشكلة في أن يكون الغرب هو الطرف الأقوى في هذا التفاعل أو الصراع؟ إنه أقوى لأنه أكثر تطوراً، وعلينا كطرف أضعف أن نستفيد من منجزات الغرب في التكنولوجيا والاقتصاد والتجارة والاتصالات والمعلوماتية . إن إتقان الأجيال العربية والمسلمة الشابة للغات الأجنبية والاطلاع على أفضل ما أنتجه الغرب لا يعني بالضرورة أن هذه الأجيال قد فقدت خصائصها أو ثقافتها، بل علينا أن نفخر بشبابنا الذين يواكبون العصر .
ويقول رياض نجيب الريس: علينا أن نقرّ ونعترف بأن هويتنا وثقافتنا مهددة باستمرار، وأن نبحث عن وسائل لحماية خصائص ومفردات هذه الثقافة، ولكن من دون أن يتحول ذلك إلى نوعٍ من الهيستيريا . الهوية والخصوصية الثقافية والحضارية هي أسلحة ذات حدين، وكثيراً ما أدت إلى أزمات ونزاعات وحروب . إن حضورنا على هذا الكوكب محكوم بمجموعة من المعايير والمعادلات . وإذا كان ثمة إحساس بالغبن في داخلنا، فينبغي تحويل هذا الإحساس إلى عمل دؤوب ومتواصل من أجل تحسين صورتنا وحضورنا . إن وضع اللوم على الآخر/ الغرب/ الاستعمار/ العولمة لم يعد كافياً لتأويل أو تبرير ما نعانيه من مشكلات وجودية تطال أدق مكوناتنا الحضارية والثقافية والدينية . علينا أن ندرك أن العالم اليوم يسعى إلى التخفف من الهويات البديهية والتشارك في صنع هوية عالمية كبرى . صحيح أن ذلك يجري عبر تحطيم الهويات والثقافات المحلية والقومية، ولكن إيقاف ذلك بات أمراً عبثياً ومستحيلاً . هناك شعوب وثقافات عديدة تعاني مثلنا في صراعها غير المتكافئ مع متطلبات العولمة . والسبب أن العولمة نفسها تبدو ذات منشأ غربي . في النهاية، المطلوب منا أن نكون جزءاً من العالم الراهن وأن نحتفظ بخصوصيتنا أيضاً . لنأخذ اليابان كمثال ساطع على ذلك . لا أعتقد أن أحداً يمكنه اتهام اليابان بأنها فقدت هويتها وهي تتطور وتتقدم وتحتل المكانة المرموقة التي تتمتع بها . أعتقد أن علينا أن نقتنع أن الهوية ليست شيئاً مقدساً وأبدياً، وأن نقتنع أيضاً أن ما يأتينا من الخارج ليس شراً بالمطلق .
هروب
يقول حبيب الله ولد أحمد: تواجه أمتنا تحديات لعل من أبرزها محاولات أعدائها المتكررة ضربها في صميم لحمتها الحضارية الذي هو بالتأكيد اللغة الجامعة والثقافة المؤسسة عليها، من المهم القول إنه لا بديل للعرب كأمة مستهدفة حتى في أخص خصوصياتها الثقافية والحضارية عن العودة الفورية للاهتمام بلغتها التي هي وعاؤها الحضاري المشترك وما أنتجته عبر الزمن من أسس ثقافية وحضارية استقطب بريقها، في فترات الإرادة، كل شعوب العالم .
ولذلك يتعين علينا كعرب في هذا العصر الذي تكالبت علينا عادياته ونوائبه تفعيل لغتنا الجامعة والعودة لأحضانها الدافئة والدفع بها من دون يأس أو خوف من الهزيمة نحو مسايرة العصر الحالي واستعادة الريادة الثقافية والحضارية المستحقة .
من الواجب علينا كذلك محاربة ظاهرة العقدة التي يعانيها بعض مثقفينا لدرجة أنهم يهربون لاستنساخ ثقافات الآخرين والبكاء عند أعتابها، نتيجة لشعور غير مبرر بالنقص والدونية .
ويقول عبد السلام ولد حرمة: إن التعريف الدقيق للاستعمار بالنسبة لنا ليس إلا طغيان الهوية الغربية على الهويات الأخرى ونفيها، ولئن كانت الأهداف الملموسة للاستعمار معروفة للإنسان العادي من حيث هو غلبة ونهب واستعباد وقهر، فإن الهدف النهائي للعولمة، هو تحطيم وإلغاء وطمس الهوية، بما يجعل من أصحابها امتدادا ذيليا تابعا فاقدا لحافز الممانعة والمقاومة والتميز .
من هذا الأفق نستطيع أن نضع لائحة طويلة بالتحديات التي تواجه هويتنا العربية الإسلامية على مستوى الأمة، إن “سايكس بيكو” التي حطم بها الطغاة الغربيون الكيان المادي للأمة، وضمنوا لأنفسهم لذلك تفوقا ماديا مستمرا باستمرارية التجزئة لها، فشلت فشلا ذريعا في النيل من الهوية الواحدة للأمة، لذلك استمرت المقاومة وما زالت مستمرة وما زالت تبدع في جميع أجزاء الوطن المقسم صيغا نضالية لا متناهية، وأدرك الطغيان الاستعماري القديم/ الحديث أن مكاسبه في التجزئة مهددة بالضياع طالما بقيت هوية الأمة واحدة متحصنة في قلعة لغتها، وبالتالي قرآنها، وآدابها، وتراثها، وتاريخها المتطاول .
الهوية بطاقة تعريف الأمة وليست من أجل أن يتعرف إليها الآخرون وإن كان ذلك يحصل تلقائيا بنسبة أو أخرى، ولكنها وبالأساس لكي تتعرف إلى نفسها، لأن جماعة لا تعرف نفسها يستحيل أن تدرك لوجودها معنى، كما يستحيل أن تؤسس رؤيتها لنفسها ولعلاقتها بالآخر، والتاريخ والطبيعة، وبالتالي لا يمكن أن تتصور لنفسها دورا، أو تحدد طموحا، ولا أن تنشئ حقول معارفها ومنظوماتها الفكرية والثقافية والأخلاقية والرمزية التي هي الناظم الأساس لاستمرار وفعالية هويتها وديمومتها وتواصلها بما يجعل منها أمة تاريخية بمعنى أنها حاضرة في التاريخ وفاعلة فيه : أي منتجة للمدنية والحضارة .
أن صعود الهوية الأوربية وطغيانها وما تجسد في ذلك الصعود والطغيان من غزو عسكري متفوق وساحق، وما رافقه من هالات الفتوحات العلمية المذهلة، وما تزين به من تجديدات على كل الصعد . . إلخ كل ذلك أدخل جميع الهويات غير الأوربية في أزمة وجودية ممزقة وموجعة .
إن الهويات الأصلية وفي مقدمتها الهوية العربية لابد أن تدرك اليوم أن عودتها للمشاركة الفعالة في التاريخ، وامتلاك الحضارة الجديدة وتوطيدها، وإبداعها من جديد هو أمر مستحيل إلا من أفق هويتها هي، وضمن اشتراطات نسقها الثقافي بما يحويه من بنيات متعددة متكاملة دينية وعلمية وفكرية وفلسفية وأدبية وخيالية ورمزية وأسطورية أيضا، والحاضنة الواحدة والوحيدة لذلك هي اللغة العربية التي هي الرأسمال الوحيد الناجز في يد الأمة لفرض حضورها في التاريخ وبين الأمم .
يقول محمد ولد أحظانا نستطيع أن نحمي مفردات هويتنا الأساسية من خلال تعريفها: ما هي مفردات هويتنا الأساسية، أهي -حقيقة- تلك المفردات المدرجة ضمن لائحة المفردات المتاحة حاليا، أم لا بد من إعادة تشخيصها وتعريفها، لكي نميز ما ذا نحمي منها وماذا نهمل؛ حتى لا نحمي رزمة مفردات عشوائية تتصدر اهتمامنا الفكري، والحال أن من بينها الصالح والفاسد؟
وأتصور أن علينا - بعد التعريفات- تحويل مفهوم “الهوية” من التوظيف التثبيتي السكوني الحالي إلى التوظيف الحركي المتطور؛ لكن بجعل الهوية محورا تدور حوله المفردات والمشتقات الحضارية والتحديثية، سعيا بذلك إلى دمج مبدأ حفظ الوجود الذاتي للأمة العربية في سياق التطور .
إن ربط مشاريع التحرير سواء كانت مشاريع تحرر اجتماعي من وصاية التخلف أو مشاريع تحرير من الاحتلال- بمشاريع تطوير اجتماعي وسياسي تحمي التحرر إن تم، وتمنعه من الانحراف نحو التشظي والتشرذم وأخذ منحى “العقوق الحضاري”، إذ من الملاحظ أن مشاريع التحرير عندنا تعاني من غياب تصور واضح وبنّاء عما بعد التحرير . ويركز أصحاب الأطماع الخارجية على هذا الضعف الهيكلي .
قد نحمي مفردات هويتنا من خلال تخلي النخبة عن فكرة المجانية . لقد نجحت النخب التوظيفية في عالمنا العربي خلال سنوات الدولة الوطنية بترسيخ فكرة الموظف في العقل العميق للأجيال العريضة في مجتمعنا . وهذه الفكرة أصبحت تشبه القدر بمعناه السلبي في نفوس النخب العربية، ومؤداها المسلّمة التالية: “إنك ستنال أجرتك أو عقابك حسب ولائك من عدمه” . وهذا الاقتران بين الأجرة، والولاء أصبح نيرا داخليا في نفوس النخب العربية . ووضعها في حالتين: إما رضى بالموجود والدفاع عنه، وإما تبرم بالقلب واللسان وعطالة في الفعل، في انتظار أن تتغير الأمور مجانيا، من دون بذل أية تضحية . إن فكرة المجانية في الثواب والعقاب أصبحت قدرا تجب معالجته في نفوس النخب . فمن يخاف أو يطمع لا يستطيع أن يرفع التحدي .
إن التسليم بأن التفسخ في الهوية، أو الكيان أمر عبثي . لذا علينا أن نتعاطى مع حقيقة أننا لن نتطور إلا بكياننا وهويتنا، وفي سياقنا ومحيطنا . أما التبرم من الهوية أو الكيان الكلي عن طريق الانفصال والبتر عنه ببعض الخطوات والتنطعات فإنه تضييع للوقت، وهو أشبه بتهرب المصاب بالعدوى من جيرانه المصابين مثله . وليست الأعراض المادية، مثل الثراء وما شاكله بمغن شيئا عن صاحبه عندما يريد الانسلاخ من جلده، لأن الجراثيم والفيروسات تتربص به خارج الحظيرة الحضارية . وإذا كانت تخزه من قبل لينفصل فإنها ستلتهمه كلية عندما يخرج إليها .
إن الهجوم على ثقافتنا وهويتنا ليس هجوما معزولا بل هو جزء من معركة متشعبة، أضعف أسلحتها السلاح الحربي، وبالتالي فإن التفكير في كسبها يجب أن يكون مركبا، وعميقا، وقريبا من الجميع حتى يكون التحدي جماعيا .
تهديد
يقول فواز طرابلسي: إن الثقافة قادرة على حماية هويتها عن طريق تعريضها لهواء الأفكار الأخرى التي تهبّ عليها، حتى لو كان بعض هذا الهواء ساماً أو قادماً بهدف اقتلاع أو زعزعة هذه الهوية . القصد أن حماية هويتنا لا تتم بتقوقعنا على ذاتنا، ورفض كل جديد يأتي من العالم الخارجي، علينا أن نحافظ على موقعنا في العالم من خلال تأمين عناصر القوة والبقاء لهويتنا وثقافتنا، وعلينا ألا ننسى أن التفاعل الثقافي يقوّي الطرفين إذا كانت النية هي استثمار هذا التفاعل، وأظن أن علينا كعرب ومسلمين أن نخفف من افتخارنا بماضينا وجعله نوعاً من الهوية الراسخة والثابتة وغير القابلة للتبدل أو التطور .
عناصر القوة
يقول رياض نجيب الريس: علينا أن نقرّ ونعترف بأن هويتنا وثقافتنا مهددة باستمرار، وأن نبحث عن وسائل لحماية خصائص ومفردات هذه الثقافة، ولكن من دون أن يتحول ذلك إلى نوعٍ من الهيستيريا . الهوية والخصوصية الثقافية والحضارية هي أسلحة ذات حدين، وكثيراً ما أدت إلى أزمات ونزاعات وحروب . إن حضورنا على هذا الكوكب محكوم بمجموعة من المعايير والمعادلات . وإذا كان ثمة إحساس بالغبن في داخلنا، فينبغي تحويل هذا الإحساس إلى عمل دؤوب ومتواصل من أجل تحسين صورتنا وحضورنا .