رأي ودراسات

البحـــث

    
لا نهضة عربية من دون الوحدة آخر تحديث:الجمعة ,16/07/2010

عوني فرسخ

هذا ما يقرره، وهو المحق، “المشروع النهضوي العربي”، موضحاً أن الوحدة لما تزل القضية العربية الأولى منذ تفتح الوعي القومي أواخر القرن التاسع عشر . ومنبها إلى أن العقود الماضية حفلت بتحولات عربية ودولية تستدعي إعادة نظر في مسألة الوحدة، في ضوء معطيات الحاضر وتحديات المستقبل، وصولاً إلى صياغة الأساليب الأكثر ملاءمة لتحقيقها .


فالقوى الاستعمارية كرّست التجزئة، فيما عملت النظم الحاكمة على تثبيت الدولة القطرية، من دون تنمية وعي وطني، ومضمون اجتماعي، ونظام ديمقراطي، تصون وحدتها الترابية ونسيجها المجتمعي . ولأن ميثاق جامعة الدول العربية لم يضع آلية تكامل عربي لم تنجز خطوات تكاملية، برغم توافر إمكانية ذلك عربياً . وإذا كان يذكر لتجربة الوحدة السورية المصرية الرائدة إنجازاتها الاجتماعية والاقتصادية لمصلحة الجماهير السورية، فإنها لم تنجح في البقاء أو أن تشكل نواة توحيد قومي . فيما أخفقت محاولات الوحدة التي أعقبتها لافتقادها الرؤية القومية والإرادة الوحدوية . ولم تستطع التجمعات الإقليمية الفرعية: مجلس تعاون دول الخليج العربية، ومجلس التعاون العربي، واتحاد المغرب العربي، أن تكون نواة تكامل عربي، لضعف إيمان نخبها القائدة بفكرة الوحدة .


إلا أن الوحدة، كما يؤكد “المشروع النهضوي العربي”، ضرورة حيوية ووجودية للأمة العربية . ليس لما بين العرب، على اختلاف أقطارهم وطبقاتهم، من وحدة اللغة والثقافة والموروث التاريخي والحضاري المشترك فقط، وإنما لما تفرضه المصالح المشتركة وتحديات الحاضر والمستقبل في مجالات التنمية الاقتصادية والتقنية والأمن القومي، وضرورات البقاء أيضاً . ما يبرر القول إن كل حديث عن الديمقراطية، والحريات العامة والخاصة، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان العربي، في غياب الوحدة، والالتزام بالعمل لتحقيقها، لغو غير منتج .


كما يقرر المشروع أن الوحدة حق مشروع للأمة العربية، لأنها تعرضت لتجزئة استعمارية طالت وحدتها الجغرافية والمجتمعية، كما التقت القوى العظمى على إقامة الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، وعلى مده بأسباب القوة والحياة، ليشكل مانعاً للوحدة وكابحاً لدور مصر التاريخي في تحقيق الوحدة . وعليه فالنضال لتحقيق الوحدة مشروع، وسبق أن مارسته أمم كثيرة أنجزت وحدتها القومية . فضلاً عن أنه الرد القومي على الاغتصاب الصهيوني لأرض فلسطين وتشريد شعبها العربي . علاوة على أن النضال الوحدوي تستدعية التحديات التي تواجه الشعوب العربية كافة في مرحلة لم تعد فيها الدول المحدودة الإمكانات المادية أو القدرات البشرية تستطيع تأمين متطلبات عيش مواطنيها وأمنها الوطني، أو مواكبة التقدم العلمي والتقني المتسارع، إلا بالتكامل في تكتلات إقليمية تؤمن لها البقاء والقدرة على التقدم .


ولم يعد خافياً أن الدولة القطرية العربية تعاني من تداعيات هشاشة تكوينها ومحدودية مواردها الاقتصادية وقواها البشرية، وانغلاقها الكياني، بحيث باتت عالة على نفسها، وغدا مخرجها من محبسها الخانق تعزيز علاقاتها بنظيراتها العربيات . فضلاً عن أن للعولمة تحديات شديدة تطال سيادة الدول الصغرى والمتوسطة واستقلال إرادتها لاتباعها اقتصادياً وسياسياً للمراكز الرأسمالية الغربية . وليس أمام الأقطار العربية لاتقاء آثار الزحف الجارف للعولمة سوى الوحدة أفقاً وحيداً وآلية دفاع للبقاء .


ويدعو “المشروع النهضوي العربي” لضبط العلاقة بين الوطني والقومي، تأسيساً على أن الدولة القطرية اكتسبت مشروعية، وكما تحققت بالعيش الطويل في واقع التجزئة مصالح للقوى الاجتماعية الفاعلة في الدول القطرية كافة، والتي كان خوفها من الوحدة دافعاً لانكفائها على الذات، ولمعاداة الوحدة والمشروع القومي . فضلاً عن أن تحديات مخطط التفتيت العرقي والطائفي الأمريكي الصهيوني تستدعي أن تكون في أولويات العمل الوحدوي الحفاظ على وحدة الكيانات القطرية العربية، والنظر إلى ما تنجزه على صعيد توحيد كيانها الوطني، وتحقيق التنمية الاقتصادية والعلمية، وتوزيع عادل للثروة، وبناء أسس حياة ديمقراطية، وتنمية قدراتها الدفاعية، كل ذلك يوفر للمشروع الوحدوي العربي مقدمات تحتية ضرورية .


ويقرر المشروع بأن الوحدة لا تكون هدفاً مطلوباً للأمة إلا متى وجدت فيها جميع شعوبها مصلحتها، بأن تكون إطاراً لسوق قومي، وتعظيم الثروة، وتحسين شروط معيشة المواطنين، وتوفير حقوقهم المدنية والسياسية، بفرض مشاركتهم السياسية . وتوزيع الثروة توزيعاً عادلاً بين الطبقات والمناطق، وتعزيز الأمن القومي . غير أن القراءة الموضوعية للواقع العربي توضح أن الوحدة ليست مطلباً عاماً لجميع طبقات المجتمع العربي، إذ إن هناك قوى مستفيدة من واقع التجزئة وحريصة على استمراره . ما يجعل الأقرب للواقعية القول إن الوحدة إنما هي مطلب القوى التي تجد مصلحتها في تحقيقها، وهي الغالبية التي تعاني البطالة والحرمان في أقطار تأكد فشلها في تحقيق التنمية المستدامة . فضلاً عن أن انسحاق الطبقة الوسطى في زمن العولمة يجعل الغالبية الساحقة في معظم الأقطار العربية تعاني الحرمان، والوحدة سبيل إشباع حاجتها المتزايدة .


كما يؤكد “المشروع النهضوي العربي” أن الوحدة لا يمكن إلا أن تقترن بالديمقراطية، باعتبار الرضا الشعبي والاختيار الحر سبيل إقامة الوحدة . وبحيث تتوافر في أي مشروع وحدوي أو اتحادي المؤسسات الدستورية الممثلة لإرادة المواطنين الحرة . فضلاً عن تقريره بأن الديمقراطية هي النظام الكفيل بتحقيق مبدأ المواطنة والمساواة الكاملة في الحقوق السياسية، والسبيل الأكثر كفاءة لتحقيق الاندماج الوطني والقومي .


ويعد المشروع الدولة الاتحادية هي الصيغة الأفضل لدولة الوحدة، وذلك بتكامل الكيانات العربية القائمة واتفاقها على مؤسسات اتحادية مشتركة تنتقل إليها السلطة الجامعة، مع استمرار سلطاتها المحلية . وقد بات جلياً أن تحقق الوحدة رهن بتوافر إرادة ومشروع سياسي يعملان لتحقيق ذلك بالتدرج خطوة خطوة وعن طريق التراكم . علماً بأن كل المداخيل للوحدة ممكنة: الاقتصادية والسياسية والأمنية، بحسب ما تفرضه الظروف والتطورات وآليات العلاقات العربية العربية . فضلاً عن العمل على حل المعضلات الموضوعية والذاتية التي تواجه الوحدة، خاصة معضلة التباين في درجة التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي بين الأقطار العربية، وعدم توازن قواها البشرية وإمكاناتها الاقتصادية، وتمايزها بين أقطار كبرى وأقطار صغرى .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

03/09/2010
نحو تقويم موضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية

27/08/2010
هذه الدعوة لبدء “المفاوضات المباشرة”

20/08/2010
لماذا يتنكرون لحقائق الصراع؟

10/07/2010
ضرورة التنمية المستقلة

02/07/2010
جدلية الديمقراطية والتجدد الحضاري العربي

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008