كشرت الطبيعة عن أنيابها وأزاحت الستار عن جانب مظلم، ارتسمت معالمه وتجلت في الظواهر المناخية التي حصلت أخيراً، حيث سادت مناطق متفرقة من العالم أجواء مناخية لم تشهدها منذ عقود، كانت محصلتها خسائر مادية وبشرية فادحة، وكرد فعل طبيعي ثمة أسئلة كثيرة حائرة ينتابها القلق والخوف وتبحث عن الأسباب والنتائج الكامنة وراء تلك الظواهر التي تحدث، وفي الوقت نفسه بات الكثيرون معرضين لسيل كبير من المعلومات التي تتدفق عبر وسائل الإعلام المختلفة التي تتناول هذه الظواهر بالشرح والتحليل، ما يطرح سؤالاً عن مدى صحة المعلومات ودقتها والتي نسمعها ونشاهدها ونقرؤها كل يوم؟
يقول الدكتور حميد مجول النعيمي نائب مدير جامعة الشارقة للشؤون الأكاديمية رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك، رداً على سؤال حول مدى صدق تلك المعلومات “كثر الحديث مؤخراً عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والإنترنت عن أحداث وظواهر فلكية ليس لها أي أساس علمي تشير إلى أنها قد تتسبب في تدمير الكرة الأرضية، وترعب العامة من الناس، ولذلك يجب عدم تصديقها من الوهلة الأولى، لأنه ليس كل ما يذكر في هذه الوسائل صحيحاً، إذ إن هناك فئات قد يكون لها مآرب شخصية لإشاعة مثل هذه الأخبار ونقل معلومات مغلوطة لترهيب الناس، لاسيما أنه من المتوقع خلال العامين المقبلين انتشار العديد من هذه الأخبار العارية عن الصحة، وخاصة بالنسبة للعواصف الشمسية، لأن الشمس ستكون في ذروتها من النشاط الشمسي ضمن دورتها الرابعة والعشرين” .
عاصفة شمسية
وأضاف النعيمي أن من ضمن هذه الأخبار غير الصحيحة ما يقال عن توقع هبوب عاصفة شمسية قوية على الكرة الأرضية خلال السنوات الثلاث المقبلة، وبالتحديد عام ،2013 حيث ستتسبب في دمار هائل لتكون أسوأ كارثة بشرية منذ مئات السنين، إذ تشير التقارير إلى أن العاصفة الشمسية ستتسبب في قطع الكهرباء بشكل كامل عن المرافق الأساسية لتعيد العالم إلى عصر الظلام الدامس، وتتوقف الأقمار الصناعية عن العمل وتقطع شبكة الاتصالات والإنترنت، وتتوقف شبكات الإذاعة والتلفزيون عن البث .
وكذلك ادعاء مرور كوكب باسم “نيبرو” أضخم وأكبر من الأرض بالقرب من الأرض في عام ،2012 مما يسبب كوارث وتغيير في المعالم الجغرافية والجيولوجية للأرض، وقد يؤدي إلى تدمير كامل للكرة الأرضية.
مغالطات علمية
وحول ما يشاع في وسائل الإعلام عن نهاية العالم، يؤكد النعيمي أن معظم ما ذكر عبارة عن تكهنات مضخمة ومبالغ فيها جداً تحوي مغالطات علمية فادحة، قد تكون ناتجة عن ترجمات غير دقيقة، أو قد تكون مقصودة لإرعاب الناس، أو قد تكون صادرة من بعض المذاهب حسب معتقداتها ولها أغراض معينة .
وذكر أنه أمر طبيعي من الناحية العلمية، ازدياد النشاطات والعواصف والبقع الشمسية في السنوات الثلاث المقبلة، لأنه معروف لدى علماء فيزياء الشمس أن الشمس تمر في فترات نشاط وخمول دوريين، وأن متوسط الدورة الواحدة من ذروة النشاط الشمسي إلى ذروته التالية تستغرق نحو 11 عاماً .
ومن ظواهر ازدياد النشاط الشمسي زيادة عدد البقع المرصودة على سطح الشمس (التي تسمى بالبقع الشمسية أو بالكلف الشمسي Sunspots)، وهي مناطق تظهر على سطح الشمس تكون أبرد من المناطق المحيطة بها، وعند بلوغ الشمس ذروة نشاطها، يكون عدد البقع الشمسية قد وصل إلى ذروته أيضاً .
ولفت إلى أن ذروة النشاط الشمسي السابقة كانت خلال عامي 1999 - ،2000 لذا فإنه من المتوقع أن تكون الذروة التالية خلال العامين القادمين، موضحاً أن الشمس حالياً في نهاية دورتها الثالثة والعشرين تقريباً، وستبدأ دورتها الرابعة والعشرين في الأعوام القليلة المقبلة .
ولكن الأمر لا يقتصر على البقع الشمسية، فهناك أيضاً نشاطات أخرى مثل “الرياح الشمسية” Solar Wind، التي هي عبارة عن جسيمات مشحونة خارجة من سطح الشمس (بروتونات وإلكترونات بشكل رئيسي)، وتكون بطيئة الحركة نسبياً وقليلة الشدة عند حضيض النشاط الشمسي .
ومع ازدياد النشاط الشمسي تزداد سرعة هذه الرياح وشدتها، تماماً كما تزداد وتيرة وشدة الكثير من الظواهر الجوية الشمسية الأخرى، ومنها الاندلاعات الشمسية Solar Flares والانبعاثات الكتلية الإكليلية Coronal Mass Ejections، ويترافق مع ذلك كله ازدياد في شدة الإشعاع الحراري للشمس بنسبة تصل إلى نحو واحد بالألف، وكذلك ازدياد في شدة الإشعاعات الشمسية القصيرة الطول الموجي (في نطاقات الأشعة فوق البنفسجية والسينية) .
وبسؤاله عن مدى تأثير ذلك كله في الكرة الأرضية، قال إنه من المعلوم أن الرياح الشمسية تتحرك في الاتجاهات كافة، ولدى اقتراب جسيمات هذه الرياح المشحونة كهربائياً من الأرض، فإن المجال المغناطيسي الأرضي يحرفها باتجاه القطبين المغناطيسيين الشمالي والجنوبي للأرض، فتتفاعل هذه الجسيمات مع ذرات الهواء في الطبقات العليا للغلاف الجوي الأرضي، مشكلة ما يعرف بالشفق القطبي Aurora .
أما عند ذروة النشاط الشمسي ولدى خروج اندلاعات قوية وسريعة بالإضافة إلى الانبعاثات الكتلية الإكليلية من الشمس، تحتاج هذه المادة الشمسية من 18 إلى 36 ساعة للوصول إلى الأرض، وتتأثر الجسيمات المشحونة التي تحملها هذه الاندلاعات بالغلاف المغناطيسي الأرضي فتتجمع بالنهاية عند المناطق القطبية من الغلاف الجوي الأرضي .
ولو كانت الاندلاعات قويةً جداً، فإن الجسيمات المشحونة قد تصل إلى خطوط عرض دنيا (المناطق المعتدلة من الأرض)، وهذا ما يدعى بالعاصفة الجيومغناطيسية Geomagnetic Storms .
وتشير الدراسات الأولية إلى وجود تأثيرات ضئيلة لمثل هذه النشاطات في الكائنات الحية والإنسان بفضل الحماية التي يوفرها الغلافان المغناطيسي والجوي لكوكب الأرض .
الخطر الأكبر
أما الخطر الأكبر فيكون على رواد الفضاء الموجودين في مدار حول الأرض، ويتوقع العلماء بأن النشاطات والعواصف الشمسية في الدورة القادمة (2011/2012) ستكون أقوى من سابقاتها بنسبة 15-20%، كما حدث عام ،1958 والسبب يعود إلى ما يسمى بالحزام الناقل للمجال المغناطيسي الشمسي من داخل الشمس إلى سطحها، وهو مكون من غازات متأينة إلكترونياً وساخنة جداً ينبع من خط استواء الشمس ويصعد إلى القطبين ثم يعود وهو مشابه ميكانيكياً للحزام الناقل للمياه في المحيطات .
إصلاح الأضرار
وعن الخطورة الحقيقية المتوقعة على سطح الأرض أشار إلى أنها تكمن في التأثيرات السلبية للعواصف الجيومغناطيسية في الأنظمة التكنولوجية، ومع أن العاصفة الواحدة قد تستغرق من يومين إلى أربعة أيام بحسب شدتها، فإن عمليات إصلاح الأضرار الناتجة عن هذه التأثيرات قد تحتاج إلى عدة أسابيع وقد تصل إلى عدة أشهر .
وفي سؤال عن أهم هذه التأثيرات المناخية، وأي القطاعات ستطال قال إنها تتمثل في ما يلي:
- أجهزة الاتصالات: يعتمد الكثير من أنظمة الاتصالات والبث الراديوي على انعكاس الأمواج الراديوية عن الطبقة المتأينة في الغلاف الجوي الأرضي، وحيث إن الطبقة المتأينة تتأثر بالعاصفة الشمسية وبشدتها، فإن أنظمة الاتصالات هذه قد تضطرب أو إنها قد تصل إلى حد الانقطاع التام خلال العاصفة الشمسية، وقد يتعدى الأمر الاتصالات اللاسلكية إلى السلكية، مثل كوابل (أسلاك) نقل الاتصالات الهاتفية الأرضية .
- مولدات ومحولات الطاقة الكهربائية: إن التغيرات في المغناطيسية الأرضية خلال العاصفة الجيومغناطيسية تولد تيارات كهربائية مستمرة في أسلاك نقل الطاقة الكهربائية، خاصة تلك الأسلاك التي تعبر مسافات طويلة، مما قد يسبب أضراراً لها وكذلك للمولدات والمحولات الكهربائية .
- أنظمة الملاحة الفضائية: ومنها نظام تحديد الموقع العالمي والمعروف ب GPS، وبسبب التغيرات الحاصلة في الطبقة المتأينة خلال العاصفة الشمسية، فإن الإشارات الراديوية التي تصدرها الأقمار الصناعية الخاصة بنظام GPS لدى عبورها هذه الطبقة تعاني من ظاهرة فيزيائية تدعى بالوميض Scintillation، وبالتالي تقل دقة تحديد الموقع في أجهزة الاستقبال الموجودة على الأرض .
- الأقمار الصناعية: تؤثر العواصف الجيومغناطيسية، وكذلك الزيادة في شدة الأشعة فوق البنفسجية الشمسية في الغلاف الجوي الأرضي، من خلال تسخين هواء الغلاف الجوي وجعله يتمدد، مما يزيد من مقاومة الهواء لحركة الأقمار الصناعية ذات المدارات المنخفضة، مما يجعلها تبطئ من سرعتها لدرجة قد تسقطها تدريجياً باتجاه الأرض وتحترق في الغلاف الجوي .
كشط سطح الشمس
أشار الدكتور حميد النعيمي إلى أن عملية التفاعلات التي ستحدث داخل الشمس في عام 2011-2012 تتلخص في أن الحزام الناقل سيكشط سطح الشمس كاسحاً المجال المغناطيسي لبقع شمسية قديمة ميتة، وسيكون هذا الحزام داخلاً إلى الشمس بعمق 200 ألف كيلومتر الذي يحتوي على مجال مغناطيسي عالٍ جداً وبذلك يتضخم ويعود إلى السطح ليكمل دورته في 50 عاماً تقريباً، كما هو الحال في عمليات تيارات الحمل، مولداً بقعاً شمسية جديدة وبمجال مغناطيسي عال جداً، أعلى من مجال سطح الشمس بأكثر من ألف مرة . موضحاً أن العلماء يتوقعون أن تكون الدورة القادمة للنشاط الشمسي أقوى، وأن عدد البقع الشمسية سيزداد ليكون أكثر من 300 بقعة تؤدي إلى عواصف وانفجارات ونشاطات شمسية أقوى وأكبر من سابقتها، مما يزيد من التغيرات والتقلبات الجوية، فضلاً عن تأثيراتها الكبيرة في الاتصالات ومولدات الطاقة والأقمار الصناعية، ولكن لن يصل تأثيرها إلى الحد الذي ذكر في الصحف والوسائل الإعلامية وغيرها .