في استطلاع للرأي أجراه معهد “بيو ريسيرش سنتر” ونشرته “الواشنطن بوست” في 19 اغسطس/آب الحالي تبين أن نحو خمس الأمريكيين يعتقدون أن الرئيس أوباما مسلم، وكانت هذه النسبة 11 في المئة في مارس/آذار من العام الماضي . 31 في المئة من المستطلعين الجمهوريين يظنون أنه مسلم بعد أن كانوا 14 في المئة العام الماضي . رداً على السؤال: ما دين الرئيس أوباما، أجاب 48 في المئة أنه مسيحي في مارس/آذار من العام 2009 مقابل 34 في المئة اليوم، وقال وقتها 11 في المئة إنه مسلم في حين ارتفعت نسبتهم إلى 18 في المئة اليوم .أكثر من ذلك فإن ستين في المئة ممن يعتقدون أنه مسلم علموا ذلك من وسائل الإعلام .
هذه الأرقام فاجأت البيت الأبيض الذي لاينفك يؤكد في مناسبة وغيرها بأن الرئيس مسيحي يصلي ويذهب إلى الكنيسة بانتظام، علاوة على أنه يتكلم علانية عن إيمانه المسيحي . وهذه الأرقام تعود ربما إلى اسم والد أوباما(حسين) والى ما علق في أذهان الناس من الحملة الانتخابية العام ،2008 حين ركز خصوم أوباما على أصوله الإسلامية . ورد البيت الأبيض على هذه الاستطلاعات عن طريق “الواشنطن بوست” التي نشرتها بالقول “إن هذه التقديرات غير الدقيقة عن دين الرئيس ناتجة عن حملة يشنها عليه معارضوه عشية انتخابات الكونجرس النصفية المزمعة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وينشرون خلالها معلومات خاطئة عن الرئيس حول قيمه ومعتقداته” .
هذا الاستطلاع للرأي أجري عشية إعلان الرئيس أوباما عدم معارضته لبناء مجمع ديني إسلامي كبير في منطقة الغراوند زيرو قريبا من مبنيي التجارة العالمية المنهارين بفعل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر /أيلول ،2001 ويؤكد المحللون أن هذه الأرقام كانت لترتفع لو أجري الاستطلاع بعد موقف أوباما هذا الذي جعله “مشبوهاً” في نظر كثير من الأمريكيين، والذي حاول التراجع عنه لاحقاً أو إضفاء بعض من النسبية عليه على الأرجح تحت تأثير هذا الاستطلاع واستطلاعات أخرى للرأي، تكشف عن الصعوبات التي سيواجهها في الانتخابات المقبلة للكونغرس .
من هذه الاستطلاعات على سبيل المثال واحد دل على أن ربع الأمريكيين يعتقدون أن رئيسهم ليس مولوداً على الأرض الأمريكية، وآخر أجراه معهد غالوب كشف أن شعبية الرئيس وصلت إلى 41 في المئة فقط، الأمر الذي يرجح خسارته لانتخابات الكونغرس، وربما تخلي بعض الديمقراطيين عنه لاسيما أولئك الذين انتقدوا موقفه من بناء “دار قرطبة” في “الغراوند زيرو” داعين إياه للتصرف “كسياسي وليس كأستاذ جامعي” .
والحقيقة أن أوباما تصرف كرئيس للجمهورية من مهامه الأساسية السهر على تطبيق الدستور الذي يكفل حقوق الطوائف جميعاً في ممارسة شعائرها وبناء معابدها على أملاكها الخاصة، شريطة ألا يكون في ذلك أي اعتداء على حرية الآخرين . وكان المجلس البلدي لمانهاتن الجنوبية قد وافق في مايو/أيار الماضي على الطلب المقدم من الجمعية التي يرأسها الإمام المعتدل فيصل عبد الرؤوف لبناء هذا الصرح الذي يضم خمس عشرة طابقاً ويكلف مئة مليون دولار مكان مبنى متصدع جراء تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول .
والأكثر من ذلك أن ميشال بلومبرغ عمدة نيويورك وهو يهودي وجمهوري وافق على المشروع ودافع عنه بعبارات دستورية وقانونية، كما فعل الرئيس أوباما، مضيفاً أنه من المعيب مجرد الكلام في هذا الموضوع . وفي مقابل الحملة الإعلامية التي نظمها معارضو المشروع والتي استخدمت فيها تعابير وشعارات عنصرية ضد الإسلام والمسلمين فقد رد مؤيدو المشروع بالتذكير أن ثلاثمئة مسلم قضوا في مبنيي التجارة العالمية في 11 سبتمبر/أيلول 2001 اي ما نسبته 10 في المئة من مجموع الضحايا، وبأن عدد ضحايا ارهاب تنظيم القاعدة وغيره من العرب والمسلمين بفعل الاغتيالات والتفجيرات يفوق بكثير عدد الضحايا من الأمريكيين وغيرهم .
يبدو أن الجمهوريين الذين يفتشون عن مواقف وأفكار لحملتهم الانتخابية ضد الرئيس قد عثروا عليها ولكن ليس في سياساته الخارجية او الداخلية . فقد وعد الرجل بالانسحاب من العراق وها هو يفعل، إذ إن آخر الكتائب المقاتلة انسحبت من العراق في الوقت المحدد من دون تأخير، كما وعد بالانسحاب من أفغانستان والمؤشرات تدل على أنه سيفعل . وفي الشرق الأوسط تجنب الضغط على الحليف “الإسرائيلي” المدلل، رغم أن نتنياهو لم يلب شيئاً من مطالبه، أقله كي يمنحه قدراً ولو قليلاً من المصداقية حيال العرب والفلسطينيين، بل أكثر من ذلك ضغط أوباما على هؤلاء كي يقبلوا بالشروط “الإسرائيلية” ففعلوا ولو على مضض . وفي الموضوع الداخلي نفذ أوباما الكثير من الوعود في أقل من عامين على اعتلائه السلطة .لكنه رغم كل شيء بدا بمظهر الرئيس الضعيف المتردد بسبب تراجعه عن بعض المواقف والتصريحات .
ومن هذه الزاوية تمكن معارضوه من انتقاده لا بل إن بعضهم مثل الرئيس السابق بوش يتهمه بأنه يمارس الإسلام في الخفاء والمسيحية في العلن، ويذكر بأن عائلته من ابيه تمارس الشعائر الإسلامية بانتظام . والعودة إلى موضوع الإسلام في هذا الوقت بالذات يهدف إلى منع الجروح النازفة منذ 11 سبتمبر/ أيلول من الالتئام، بهدف استخدامها لابتزاز الإدارة في المواضيع المتعلقة بسياساتها الشرق-أوسطية . وإلا فما معنى أن تطرح الأسئلة حول دين الرئيس في استطلاعات للرأي؟ ومن يقف وراء مثل هذه الاستطلاعات وبأي هدف؟ أليس إظهار أوباما بمظهر الضعيف المتنكر لأصوله وإبراز الإسلام ك”تهمة” يجري التبرؤ منها؟ هل كان دين الرؤساء السابقين موضوعاً لنقاش أو استفتاء؟
لقد قرر مؤيدو “إسرائيل” أن يجعلوا من “الإرهاب الإسلامي” مادة نقاش أساسية في الحملة الانتخابية بهدف إحراج أوباما الذي أعلن وقف “الحرب على الإرهاب” التي أعلنها سلفه بوش، لايكفيهم ما بيّنه إلى الآن من خضوع لكل ما يطلبون .