مع اقتراب اليوم التاسع من شهر يناير/ كانون الثاني ،2011 موعد إجراء الاستفتاء على مصير جنوب السودان، تكثر التساؤلات، وأهمها: هل سيتم الأمر بسلام؟ وتكثر الاجتهادات، لكن النص يقول شيئاً آخر . هناك أمور تتعلق بموضوع الاستفتاء تكاد تكون من المسلمات، أولها أن الجنوبيين سيصوتون لمصلحة الانفصال، لأن قادتهم يريدون السلطة، كما يريدها شركاؤهم في الخرطوم . الأمر الثاني، أن النظام الحاكم في الخرطوم، مثله مثل المعارضة السودانية، كلاهما لم يقدر، أو لم يرغب، في أن يجعل من الفترة الانتقالية جهداً لجعل الوحدة هدفاً ومطلباً شعبياً يتمسك به الجنوبيون . أما الأمر الثالث فهو أن الأطماع والتدخلات الخارجية، وضعت في اتفاقية السلام “حجر سنمار” حتى لا يكون في السودان سلام .
في خطاب له، يرد فيه على المشككين في إجراء الاستفتاء، قال الرئيس البشير: “الاستفتاء التزام وطني”، متعهدا الوفاء به، وواعداً أن يجري “في أجواء من الأمن والاستقرار والاختيار الحر . . .” . لكن الرئيس السوداني تطرق في خطابه إلى مسألة مهمة عندما قال: “الأصل الذي قام عليه إجراء الاستفتاء هو السلام”، محذراً من أن “أية وحدة مع الحرب الأهلية لا تخدم مصالح السودانيين في الشمال ولا في الجنوب، كما أن سودانا منفصلاً إلى بلدين لا يصنعان سلاماً بينهما، هما أسوأ الخيارات الممكنة” (“الخليج” - 26/8/2010) .
حملت اتفاقية نيفاشا اسم (اتفاق السلام الشامل)، ووجدت مبررها لدى كل من يتعرض لها بالبحث، أو يتوقف أمامها للدراسة، في أنها “أحلت السلام في جنوب السودان، ووضعت نهاية لأربعة عقود من الحرب والاقتتال” . فبالنسبة للنظام السوداني، كانت الحرب قد أصبحت عبئاً أتعبه فأراد أن يعيش (بسلام)، ولو في الشمال ولو حتى إشعار آخر، أهم سبب قبوله بالاتفاق . وبالنسبة للحركة الشعبية لتحرير السودان، رأت فيه فرصة توفر ما يمكنها أن تعلن الانفصال عبر الاستفتاء قبيل نهاية الفترة الانتقالية . من هنا يبدو أن الرئيس السوداني كان محقاً وعلى صواب عندما اعتبر أن “السلام” هو أصل الاستفتاء، كما هو أصل الاتفاقية المذكورة، والذي كان الاستفتاء أهم بنودها . ولكن إلى أين تتجه الأمور بالفعل؟
لقد أقر البرلمان السوداني “قانون الاستفتاء” بتاريخ 21/12/،2009 وحدد موعداً لإجراء الاستفتاء قبل ستة أشهر من انتهاء الفترة الانتقالية، كما حدد الإجراءات المتعلقة بإنشاء ومقر واستقلالية مفوضية الاستفتاء وتنظيمه وتسجيل من يحق له التصويت وشروطه، وأيضاً اشترط أن لا تقل نسبة المشاركين في الاستفتاء عن 60% من عدد المسجلين وأن يحصل الخيار الفائز على 50% زائداً واحداً من الأصوات، على أن تنتهي كل الإجراءات وتنشر قبل ثلاثة أشهر من الموعد المحدد، وهو ما لم يتحقق . لذلك، يكاد يتفق المراقبون على أن السودان اليوم أقرب إلى الحرب، ذلك لأن الحرب يمكن أن تنشب لأي سبب: عدم إجراء الاستفتاء في موعده، أو عدم استكمال الإجراءات القانونية المحددة، أو الادعاء بالتلاعب، أو التلاعب فعلاً في نتائجه، أو أن يكون الانفصال وتقسيم السودان دافعاً لأقاليم أخرى لتطالب بالمثل . وحتى الوحدة قد تكون سبباً لدفع البعض هنا أو هناك إلى الحرب . كل طرف يلقي باللائمة على الطرف الآخر، والاتهامات متبادلة، ما رفع أصواتاً تطالب بالتأجيل بحجة عدم وجود الوقت الكافي، وأصواتاً تهدد باللجوء إلى “وسائل أخرى”، وتجعل منها سبباً آخر للاتهام . بهذه الحجة، مثلا، انتقد غازي صلاح الدين، مستشار الرئيس السوداني، قانون الاستفتاء بالقول: “إن إجراء الاستفتاء يمكن أن يؤدي إلى حرب جديدة إذا لم يتم التوصل إلى إجابات لتساؤلات جوهرية بشأن حدود الشمال والجنوب والجنسية والديون الخارجية” (الجزيرة + وكالات 5/1/2010) . والحقيقة أنه ليس وحده الذي يرى أن عدم التفاهم على “التساؤلات الجوهرية” قبل إجراء الاستفتاء يمكن أن يجدد الحرب . ففي مقال لصحيفة (الغارديان - 14/7/2010)، رأت الصحيفة البريطانية “أن الحرب بين شمال السودان وجنوبه يمكن أن تتجدد ما لم يتم التوصل إلى اتفاقات بشأن النفط والحدود قبل الاستفتاء على الاستقلال” . وأسباب الاختلاف ما زالت كثيرة إن لم تكن كما كانت عند توقيع الاتفاقية: ترسيم الحدود وتقاسم الموارد والديون وتعريف المواطنة والجنسية، إضافة إلى تعريف من يحق له المشاركة في الاستفتاء، وأمور أخرى كثيرة .
أما صحيفة (نيويورك تايمز - 12/7/2010) الأمريكية المطلعة فتقول ما هو أكثر، وتكاد تكون واثقة من اندلاع الحرب: إن “الافتراض في السودان هو أنه عندما يأتي الاستفتاء سوف يصوت الجنوبيون بأغلبية ساحقة مؤيدين للانفصال . . . وكل الدلائل تشير إلى أن حكومة الخرطوم سوف تخرب عملية التصويت أو لن تعترف بنتائجها”، ثم تضيف: “وإذا استؤنفت الحرب في الجنوب، فمن المؤكد أن ينفجر الصراع في دارفور وفي غرب السودان مرة أخرى” . والغريب أن الصحيفة لم تذكر ماذا عن مقاطعة أبيي .
الولايات المتحدة الأمريكية هي التي رعت وأشرفت، ودفعت شريكي الحكم السوداني لتوقيع اتفاقية نيفاشا، وهي التي جعلت منها قنبلة موقوتة، فضمنتها بند الاستفتاء وهي تعلم أنه سيكون في الوقت المناسب الصاعق الذي سيفجر القنبلة . وليس من عاقل يمكن أن يتخيل أن الولايات المتحدة يفيدها أن يكون السودان دولة موحدة، أو أن يعيش السودانيون بسلام، سواء كانوا في الجنوب أو في الشمال . وهذا كلام لا يندرج في باب الاجتهاد، بل هو نص الاتفاقية حيث لا اجتهاد في معرض النص .