غلاف كلاسيكي يحمل صورة عائلية قديمة مغبرة صفراء، مكتوب على طرفه (الطبعة السادسة) أصدرته دار الشروق الشهيرة، وتعرضه واحدة من أشهر المكتبات عندنا في مركز تسوق ضخم، وتضعه في الرف الأول للكتب الأكثر مبيعاً، كيف لا يشدك؟ وهل يعقل ألا تشتريه، خاصة إذا كنت من عشاق قراءة السير الذاتية؟
لست من قراء جلال أمين، كل ما أعرفه عنه أنه كاتب يساري، في الزمن الذي كان تتنافس فيه الأيديولوجيات وتكثر التحزبات، مر اسمه عليّ كثيراً في صحف مصرية عديدة، كاتباً لمقالات تتناول الشأن المصري، لكنني لم أجرب قراءته، ببساطة لأنه لا تعنيني الكتابات المغرقة في الشأن المصري، إذا لم تكن هناك مناسبة تسرنا أو تضرنا أو تفيدنا نحن الذين خارج مصر، وأيضاً أجد أن التحليلات وكتابات القضايا الاقتصادية ثقيلة على النفس وعلى القراءة، بيني وبين الاقتصاد عداء، والدكتور جلال هذا ميدانه الأول، لهذا لم تكن بيننا علاقة قارئ وكاتب .
إغراء قراءة السيرة والناشر والطبعة 6 ومكان وطريقة العرض، جعلني أضع كتاب (ماذا علمتني الحياة؟) الخيار الأول في سلة الشراء، والخيار الأول في قراءة الصيف أيضاً .
استمتعت كثيراً بقراءة هذا الكتاب الضخم، وتفاصيل هذه السيرة الطويلة العريضة، إن صاحبها عمره اليوم يزيد على السبعين عاماً، وهو يروي لك سيرة اليوميات منذ أن كان طفلاً، بل قبل أن يولد، حيث يسرد حكاية والده ووالدته، ويذهب بك في كل مفاصل حياته، أفكاره، دراسته، إخوته، غربته، زواجه، حرب المخابرات معه، شغله في الجامعات المصرية، دراسته في لندن، عمله في الكويت، الحياة في أمريكا، من أحب؟ من كره؟ كيف يقيّم عصور عبد الناصر والسادات ومبارك، وقبلهم الملكية التي عاش بعض سنواتها الأخيرة؟ كلها يصفها بأنها عصور سيئة ويشرح لك وجهة نظره في ذلك، ويروي كيف وجد الكتابة الصحفية أهم من التدريس في الجامعة، وكيف أن بريق الإعلام التلفزيوني يمكن أن يخلق منك نجماً شهيراً وبسرعة إنه عالم جميل المظهر إلا أنه لا أخلاقيات فيه، لماذا هو كذلك؟ يحكي لك تجربته معه .
نظرته إلى الدين، وعلاقته مع البعث وقربه من ميشيل عفلق، وكيف ينظر إلى اليسارية والقومية، كيف دافع عن الأقباط؟ وكيف انقلبوا عليه عندما دافع عن فهمي هويدي؟ بالأحرى عن حرية هويدي في أن يقول كلمته، ويسمع رأيه .
في حالات شعرت أن جلال أمين صادق وشفاف في حديثه، وفي مرات كان متحاملاً، وأشعرني مرة أنه متجن، ومرة تمنيته ألا يكون صريحاً خاصة عندما وصف والده في بعض الحالات، مثل حديثه عن تدينه الظاهر في كتاباته مقابل عدم تقيده أو التزامه بالصلاة، أو كما حكى على لسان أمه وعن حياتها العادية وحبها الذي كان قبل أن تتزوج والده، هناك فواصل وخصوصية ومشاعر يقف عندها حديث الإنسان، والإنسان الشرقي تحديداً عندما يقترب من الحديث عن والديه بتجرد مغيّباً مشاعر تسكن النفس البشرية، حواجز تجرد منها الكاتب وهو يحكي ترجمة ذاته، لكنني كقاريء لم أتقبلها .
أحمد أمين والد جلال شخصية ليست عادية هو صاحب “فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام” وصاحب مجلتي “الرسالة” و”الثقافة”، إنه واحد من أشهر الكتاب العرب في زمنه، سبق ولده وكتب سيرة حياته بعنوان (حياتي) وأعطى جلال وإخوته مفاتيح الشهرة والنجومية واحترام الناس وتقديرهم، لأنهم أبناء الأديب الكاتب أحمد أمين، حتى قبل أن يبرزوا وينجحوا في أعمالهم وحياتهم .
“ماذا علمتني الحياة”، مذكرات قد يستمتع بها القاريء المصري، فهي مغرقة في الشأن والبيئة المصرية، لأن حديثه في السياسة والاقتصاد وطفولته وعمله كله يدور في مصر، كما يسرد ذكرياته في موطن زوجته الإنجليزية، لندن وخارجها، أما البلد الذي كرّمه واختاره مستشاراً وهو الكويت التي قضى فيها أربع سنوات، فإن فترة وجوده مرحلة يحاول فيه ألا يكررها ولا يتذكرها!
العمل في الكويت تجربة سيئة والحياة فيها مملة، ولم يستفد منها إلا الطواف بإفريقيا وآسيا في مهمات عمل وعلى طائرة خاصة، ومن تحويشة العمر فيها اشترى شقه سكنية في مدينة زوجته الإنجليزية، وقال إن مديره الكويتي، ظل كريماً معه ولم يقطع راتبه وظل الصندوق يصرف عليه خلال سنة الامتياز التدريسية له في لوس أنجلوس، رغم إنهاء عمله معه .
على العموم هذه وجهة نظره، وتجربة حياته في بلد أكرمه كثيراً، لكن وصفه أشعرني كقاريء بنكرانه للمعروف، وتشويهه لبلد فتح له أبوابه عندما ضاق عليه وطنه، وحاربته السلطة وقتها . الكويت التي لم يجد منها إلا كل خير واحترام .
ورغم المشاعر المتناقضة التي قد تعيشها خلال قراءتك، واتفاقك أو اختلافك مع الكاتب في رؤيته وآرائه، إلا أنه كتاب يستحق القراءة، إنها سيرة عالم ومثقف وخبير ومواطن قضى سبعين حولاً في هذه الحياة، ومر بتجارب وظواهر وعصور .كتاب يمثل إضافة مميزة الى المكتبة العربية في حقل كتابة ترجمة الذات.
shmitrif@yahoo.com