الإدارة الأمريكية لا تحسن حتى اختيار مسميات سياساتها، فاختيارها لاسم المرحلة الجديدة في العراق يحمل ضمناً إدانة للمرحلة السابقة، فماذا عسى أن يكون قبل الفجر غير ظلام الليل الموحش؟ نعم، كان هذا حال العراق منذ بدء احتلاله، التي حاول الرئيس الأمريكي أن يطوي صفحتها بحركة من أصبعه، وكان قلب الصفحة يعني في نظره أن ينسى الناس مئات الآلاف من القتلى والملايين من المشردين، والأرض المحروقة، والبلد الممزق .
والناس هنا ليس أهل العراق خصوصاً والعرب عموماً، ولكن الشعب الأمريكي، لأن النسيان من قبلهم يعني غض الطرف عن المراجعة والمحاسبة لسياسات مكلفة بشرياً ومادياً للولايات المتحدة . والمراجعة والمحاسبة لا تعاقبان على ما مضى ولكنهما تمنعان، وهو الأهم، ما هو آتٍ من أمثالها . والسياسة الأمريكية في العراق ليست منبتة الصلة عن السياسات الأمريكية الأخرى السابقة والحالية تجاه البلدان الضعيفة . وإذا لم يفطن من أطلق اسم “الفجر الجديد” عن دلالاته بالنسبة للمرحلة الأولى أو يهتم بها، فلأنه أراد أن يطلق وهماً جديداً على القادم في السياسة الأمريكية تجاه العراق . الوهم الذي يراد تسويقه هو أن الاحتلال انتهى بخروج قسم من قواته، فالقوات الباقية ليست منتشرة على العشرات من القواعد العسكرية المزروعة في أرض العراق فقط، بل إنها بوجودها تستفز الناس وتستدرج العنف وتصنعه، وتجد لها رديفاً في قوات أخرى غير نظامية .
والملاحظ أنه في الوقت الذي تنسحب به بعض القوات الأمريكية من العراق، فإن القوات الأمنية الخاصة تدخله من البوابة الأخرى . إدارة أوباما انتقلت من مرحلة إدارة الاحتلال من خلال القطاع العام إلى خصخصته بالتعاقد مع الشركات الأمنية التي هي من أجل المال مستعدة لارتكاب أفظع الجرائم .
ولعبة المسميات ليست جديدة في السياسة الأمريكية، فالحرب التي هي قتل الناس وتدمير الاقتصاد، خيضت تحت عناوين الحرية والديمقراطية والازدهار . لكن الوهم ليس في ما تخلقه الشعارات الزائفة فقط، وإنما يكمن أيضاً في سوء الفهم لسياسة البلدان الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة، الذي ينبثق من التصور أن السياسات مرتبطة جوهرياً بالأفراد وليس بالمؤسسات . فغزو العراق كان في جدول أعمال كل الإدارات الأمريكية ديمقراطية وجمهورية، ولم يكن من بنات أفكار بوش . والفرق بين الإدارات يكمن في الأداء وفي الظروف، وليس في رسم الاستراتيجيات . ولو سارت الحرب في العراق على هوى الإدارة الأمريكية لمضت في خطوتها الأخرى لغزو سوريا كما كشف عن ذلك توني بلير، تابع جورج دبليو بوش .
الفهم الواقعي للسياسة الأمريكية ينبغي ألا يركز على الأفراد بقدر ما يركز على استراتيجياتها والظروف الدولية والإقليمية المناسبة أو غير الملائمة لتنفيذها . ويبدو أن أحلام المحافظين الجدد في شرق أوسط جديد، شرق أوسط أمريكي “إسرائيلي”، لم تتلاش بعد وإن ضعفت .