أجمل ما في المدينة المنورة مسجد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فهو المساحة التي تستقطب الأحاسيس، وتدفع الداخل إلى رحاب المقام الطاهر . نحو حالة من الالتصاق الحميمي بالمكان الذي فيه أقام النبي، ومنه انتشرت الدعوة للدين الحنيف .
ولكن للمدينة المنورة جماليتها أيضاً، فتلك الأحياء العتيقة لم تزل تحمل نكهة الماضي . وتؤثر على ابن المدينة قبل الزائر بأن يتعامل مع المكان بذاكرة حية وطرية، لأن حالة من الاستمرار الشجي للزمن سوف يدفع بالكائن المديني لأن يرى الماضي حاضراً باستمرار، كما يرى الحاضر ميلاداً لذلك الماضي العريق .
لم تكن الحركة الإبداعية في هذه المدينة المنورة بمقام النبوة حالة طارئة، أو مستجدة، بل كانت جذرية الحضور، وبمستوى ما هي في جدة وفي المنطقة الشرقية من المملكة .
فمنذ أن كانت في الأسواق القديمة أعمال حرفية وصناعات يدوية جميلة، كانت بعض الصور الفطرية تقدم لنا بألوان فرحة، صورة المسجد النبوي الشريف من زوايا عديدة، مركزة على الطابع الأثري للعمارة، ناهيك عن أن الرعيل الاحترافي المتقدم من فناني المدينة المنورة، أمثال الدكتور فؤاد مغربل والدكتور صالح خطاب والفنان محمد سيام والنحات السعودي الكبير هشام النجدي، بدأوا منذ مراحلهم الأولى يشتغلون على ذاكرة المكان بلغات تعبيرية متباينة .
إن لوحة الفنان الدكتور فؤاد طه مغربل هي لوحة الألق التكعيبي بامتياز، فهو فنان يمتلك قامة تأليفية قادرة على تكوين المسطح الذي يمنحك المنظور من كافة الزوايا في آن واحد، والغريب أن تكعيبية هذا الفنان بقدر ما هي شكلية مؤسسة على السطح المباشر، فإنها تأخذك إلى صلب الباطن المتحرك الذي يقدم ذاته بقوة فاعلة .
وحين يشتغل فؤاد مغربل على المكان الأثري، أو على واجهات البيوت القديمة، يصل إلى صلب المعادلة “المندولونية” التي تصنع من الأنظمة “اللوزونجية” للمشربيات عيوناً تستطيع أن تنظر إلى كافة الاتجاهات دفعة واحدة .
أما الدكتور صالح محمد خطاب . فقد اشتغل هو الآخر على المكان ولكن من منظور رمزي، وقد تحول الرصد المكاني عنده، إلى قدر من التأليف الرمزي الكامل . لكنه لم يهمل البناء القوسي والطابع التراثي كقوة تكمن في خلفية العمل، ولقد اشتغل الفنان في مرحلة نضجه على الموضوع السوريال، لكن هذا الفنان الذكي لم يخرج من دائرة بحوثه التعبيرية، بل جعل التعبيرية أساساً أقام عليه إضافاته الرمزية التي يقترب عبرها أحياناً من السوريالية الواعية، مع العلم أن أعماله الكبيرة المعلقة في مطاري جدة والرياض، بقيت ضمن المقاربة التعبيرية التي تتناول ذاكرة الموروث .
الفنان محمد عبد الرحمن سيام مشارك دائم في معارض جماعة المدينة المنورة لكنه من مواليد مكة المكرمة وهو صاحب لوحة تجريدية تأسست على ذاكرة تعبيرية، لكن الجميل في لوحة “سيام” إنها مجدولة على وعي متين ومتماسك، يجعل من مسطحه التشكيلي حالة من حالات التماسك والتكامل، فهو متماسك لأنه لا يقوم على أي مبدأ تفكيكي للمفردات، بل ينطلق من فكرة التماسك القوي بينها، لدرجة توالدها من باطن بعضها البعض .
أما الجانب المتكامل في بناء لوحته، فهو وعيه الجيد بالوحدة اللونية وبالطاقة التي تنبعث من المفردة التي تتجمع لتصير لغة واحدة .
وللنحات الكبير نبيل هاشم نجدي قامته النحتية، إنه واحد من أكثر مجايليه من النحاتين العرب، اشتغالاً على “الثيمة” النحتية، وهي الموضوع الذي يتمحور حوله الشكل العام، لكن المنحوتة المدارية هنا سوف تكتسب مظهرين أحدهما يشكل الواجهة الأمامية، وثانيهما باطن المنحوتة أو خلفيتها، وهنا تطل البراعة الموضوعية للنجدي الذي غالباً ما ينجح نجاحاً باهراً وهو يوائم ما بين الحركة ورديفها، أو القوة النافرة والقوة الضامرة .
لقد اشتغل النجدي بأساليب شتى على حالاته النحتية، حيث لون الحصى والصخور محولاً حالتها الصماء إلى حضور إيجابي ناطق، واستعمل الصب النحاسي فأنتج عبره مقصوصات حروفية متوازنة، واشتغل بالحديد فأنتج أعمالاً نحتية ضخمة، كما اشتغل بالحجر فخلق من الكتلة توازناً تأليفياً يذهب إلى المدى التجريدي، ولهذا امتلك النجدي الحق في أن ينحت موضوعاً حروفياً، وأن يجرد موضوعاً تعبيرياً، فهو واحد من المثابرين الكبار، ملاحظة لا بد منها وهي أن النجدي من مواليد الطائف، لكنه منسجم مع فناني المدينة المنورة ويعرض معهم .
الفنانة مريم عباس مشيخ، درست بجامعة حلوان في القاهرة سنة 1976 “قسم هندسة الديكور”، لها ذوق مرهف في الملابس والتحف الأثرية وكذلك الفضيات والحلي الذهبية، فكونت متحفها الخاص بها، بل إن لوحتها المفعمة بالأزياء التراثية للمرأة، مع كل المفردات الديكورية الدقيقة هي التي جعلت من هذه الفنانة ذات شخصية فنية وإيقاع تشكيلي فريد . إن روح المثابرة على العمل الفني، وامتلاء المساحة التصويرية بكل مفردات التراث لهي الإشارة الأهم في مجرى الشخصية المدينية المبدعة التي تقدم المرأة كقوة تجسد الموروث .
الفنان منصور عبد الحميد كردي، وهو من مواليد المدينة المنورة، ومشارك مستمر في معارض جماعة المدينة المنورة . تمتاز لوحته بالبناء الفطري . الأمر الذي أكسبها لغتها المباشرة ذات الطراوة المحببة، ولكن عندما يشتغل هذا الفنان على الموضوع التجريدي، يذهب إلى نوع من البنائية التركيبية التي تسيطر عليه ولا تدفع بالبناء الموضوعي المتكامل أن يبرز في أية زاوية من الزوايا .
الفنان منصور مرعي شريف عضو جماعة فناني المدينة المنورة، ولكنه من مواليد تبوك .
هذا الفنان يمتاز بالمتانة التلوينية، وهو قادر على منح اللون طاقاته الغنائية والكونتراستية المتصادمة، لكنه لم يزل يتحرك بين مساحتي الإشارية والمعمارية، إذ لم تزل لغته التعبيرية تبحث عن وضوحها أو ثيمتها .
الفنان سامي البار من مواليد 1968 وهو عضو في جماعة المدينة المنورة . أما بالنسبة للوحة هذا الفنان، فإنها تكشف عن طاقة ثرية بمقدرتها التأليفية سيما وأنه واحد من الذين يشتغلون مسطحاً “غرافيكياً” مشحوناً بالبناء التعبيري المتماسك، وباللون الذي يشاغب علو التأليف الزيحي، ولهذا نراه يجمع ببراعة ما بين التخطيط الأسود والتلوين الاسترسالي .
إنه طباع ورسام وحفار ذكي بإمكانه أن يغني التشكيل السعودي المعاصر بما يفتقر إليه فعلاً، أي لوحة الغرافيك .
الفنان عمار بن علي سعيد من مواليد المدينة المنورة سنة 1967 دخل دورات عديدة في الخزف والجرافيك، لكن لنتاجه الخزفي أهمية حضورية أكثر، إذ يؤلف هذا الفنان كتلاً خزفية غير وظائفية، بإمكانها أن تتجاوز ذلك المدى الخاضع للمعايير الاستعمالية .
أما ألوانه الأكاسيدية على الخزف فهي ذات طابع اختباري تمنح اللون الذي يتقرر على ضوء درجة الحرارة أو فترة الشواء .
الفنان أحمد عبد الله محمد البار، درس الجرافيك على يد الفنان السوداني المعاصر “راشد دياب” كما تعلم الخزف أيضاً، لكن على ما يبدو فإن لوحته الجرافيكية امتن من محاولاته على الخزف، فهي تدفع نحو إمكانيات الاكتمال الموضوعي للحدث التعبيري الذي يتحول إلى نوع من “السيمي أبستراكت” أو ما يسمى بالتجريد الأنسي .
إن أسماء كثيرة يصعب ذكرها في هذه المقالة المركزة عن فناني المدينة المنورة، ولكن اتساع أفق التشكيل لدى التيارات الشابة بات يعلن عن هوية لفناني المدينة المنورة . وقد شهدت بيروت معرضاً جماعياً لهم .
o .kart@yahoo .com