لعل أهم ما ميز الحقل السياسي المغربي في الآونة الأخيرة، هو عودة النقاش حول موضوع التحالفات داخل النسيج الحزبي المغربي، بعد أن لوح الحزب الأغلبي في المغربي (الأصالة والمعاصرة)، بأنه ليس معنياً بتحالفات 2012 الانتخابية، وأن كامل جهده سينصب على انتخابات ،2017 والتي يراها في تقدير قادته السياسيين، مصيرية بالنسبة للمغرب .
ولا يعرف على وجه التدقيق، لماذا اختار “الأصالة والمعاصرة” اللعب على مسافة زمنية كبيرة، في الوقت الذي يتلهف فيه المنتمون إليه، أو الملتحقون به على انتخابات 2012 للهيمنة على المجالس الجماعية والاستحواذ على الجهات ضمن المشروع الجهوي الكبير الذي شرع المغرب في الإعداد له .
كما كان موقف “الأصالة والمعاصرة”، من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، صادماً للوسط السياسي والحزبي، سيما أنه يأتي في الوقت الذي تجري فيه مماحكة سياسية بينه وبين “الاستقلال” (الحزب الحاكم في المغرب)، بسبب ما يعرف بالحملة ضد أماكن بيع الخمور في فاس، والتي يقودها عمدة المدينة حميد شباط .
كل هذا يشير إلى أن اختيار “الأصالة والمعاصرة” الركون إلى الخلف وترك المبادرة للآخرين، هو مخطط تم التفكير فيه بدقة متناهية، للتفرغ بهدوء لإعداد جيد للبيت الداخلي .
وفي ظل هذا الاحتراب في المشهد السياسي، كان مفاجئاً أيضاً أن يعلن عبدالإله بنكيران، الأمين العام ل”حزب العدالة والتنمية” على أن حزبه تقدم إلى كل من “حزب الاتحاد الاشتراكي” و”التقدم والاشتراكية” و”حزب الاستقلال”، بمقترح للعمل المشترك في أفق إنجاز تحالف سياسي على قواعد واضحة، لكن حزبه ظل ينتظر ولم يتلق أي جواب حول مبادرته . واعتبر بنكيران، الذي كان يتحدث في ندوة نظمتها مجلة “المشهد المغربي” في الدار البيضاء أن التحالف المنطقي يتأسس على مبدأ احترام اللعبة السياسية، وهو ما لم تتوافر شروطه حتى الآن في ميزان اللعبة السياسية في المغرب .
وكان لافتاً أن هذه الندوة ضمت ثلاثة أحزاب، هي “العدالة والتنمية” و”الاتحاد الاشتراكي” و”التقدم والاشتراكية”، حيث مثل الحزبين الأخيرين عبدالهادي خيرات عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي ونبيل بن عبدالله عضو الديوان السياسي للتقدم والاشتراكية .
وأجمع المشاركون في المنتدى، على ضرورة توفير شروط الممارسة الديمقراطية الحقة، عبر احترام اللعبة السياسية، وشروطها .
التكنوقراط
وكان موضوع استوزار التكنوقراط، ومنحهم مسؤوليات في الحكومة، محط نقاش حاد، وذهب المتدخلون إلى أن تعيين التكنوقراط في مسؤوليات حكومية يضعف الأحزاب، ويشوش على الديمقراطية، ويسهم في ابتعاد المواطنين عن العمل السياسي، الشيء الذي لا يخدم الوطن في شيء، مشددين على أن المغرب يستحق نخبة راقية تحظى بالثقة وتتحمل مسؤولياتها كاملة، وأنه لا مجال، في مغرب اليوم، لفكر الهيمنة والسعي للتحكم .
واعتبر عبدالإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أن جميع الأحزاب المغربية أبدت رغبتها في التحالف مع حزبه، بعد الانتخابات الجماعية الأخيرة، قبل أن تتبدل الأمور في بعض المدن، في اليوم الموالي للاقتراع .
وتابع، إن القيادة الحزبية أعطت تعليماتها للفروع بتدبير التحالفات المحلية، وفق كل منطقة، وشروطها، مستعرضاً نماذج من التحالفات بمدن الدار البيضاء والرباط، وأغادير .
من جهته، تطرق عبدالهادي خيرات، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، إلى ثلاث ملاحظات، اعتبرها من معيقات العمل السياسي في المغرب، موضحاً أن طرح موضوع التحالفات سابق لأوانه، وقال إن “طرح هذا الموضوع للنقاش، يبدو كأننا في بلد استكمل الديمقراطية، والأحزاب تملك استقلالية وملكية القرار السياسي، وجميعها راجعت قوانينها الأساسية” .
وكان لافتاً الهجوم الذي شنه خيرات على التكنوقراط، حيث دعا إلى استبعاد غير المتحزبين من مسؤوليات تدبير الشأن العام، موضحاً أن “عصابات تسير البلد والمدن”، واستشهد بمداخلة للكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي السابق، عبدالرحمن اليوسفي، التي خلص إليها بعد اعتزاله العمل السياسي، مفادها أن “السلطة بالمغرب عتيقة ولها حراس” .
نبيل بن عبدالله، عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، اعتبر أن “طرح الموضوع للنقاش، اليوم، أمر مهم، لما تشهده الساحة السياسية الوطنية من تطورات، تستدعي القراءة، وتوضيح الأفق بالنسبة للشعب المغربي” .
وأوضح أن التحالفات، بالنسبة للتقدم والاشتراكية، لا تطرح بشكل مجرد، بل كنتيجة لتشخيص وقراءة مع فاعلين سياسيين، من أجل الاتفاق والوصول إلى مشروع التحالف .
وبعد أن أكد أن “المغرب استطاع التقدم في بناء الديمقراطية نسبياً، وتسجيل إيجابيات في مسار بناء الديمقراطية على مستوى حقوق الإنسان، والمجال الاجتماعي، مع تسجيل خاص في هذا الجانب”، وأضاف أن “ما جرى في التحضير للانتخابات التشريعية الأخيرة، وأثناء الانتخابات، وبعدها، لا يمكن أن يسهم في إرجاع الثقة للمغاربة في أحزابهم، إذ إن كل الأحزاب السياسية، دون استثناء، متأثرة بهذه الممارسات” .
الإصلاح السياسي
وتساءل ابن عبدالله “كيف يمكن أن نعطي كامل المصداقية للحقل السياسي، ونحن نرى بعض الأمور الغريبة، التي تطرح عند تشكيل الحكومة، مثل إسقاط أشخاص على أحزاب دون أن يكون لهم أي انتماء إليها؟” .
وتطرق إلى التحالفات المتناقضة بين الأحزاب بين مدينة وأخرى، واعتبرها “غير طبيعية”، ليؤكد أن “التحالف، بالنسبة للتقدم والاشتراكية، يجب أن يتأسس ويتحدد انطلاقاً من تصور مشترك لطبيعة المشروع المجتمعي، الذي نريده، ولطبيعة الإصلاحات الأساسية، التي بات المغرب في أمس الحاجة إليها” .
واستعرض ابن عبدالله الخطوط العريضة لتصور التقدم والاشتراكية للإصلاح، موضحا أن الإصلاح الدستوري، يقتضي أن “يكون هناك توازن حقيقي للسلطات يجعلنا نتوفر على حكومة مسؤولة أمام الملك والشعب عبر البرلمان، تسير الشأن العام وتحاسب، أن تكون حكومة سياسية بكل المقاييس” .
ودعا ابن عبدالله، إلى إصلاح سياسي، وقال “نحن في حاجة إلى إصلاحات، تهم الشأن الحزبي، وقانون انتخابي جديد، يسمح بانتخابات نزيهة وشريفة، ويسمح كذلك بفتح تدبير الشأن المحلي للكفاءات السياسية الحزبية الحقيقية، القادرة على تسيير الشأن العام الوطني والمحلي والجهوي” .
بنكيران:
لا مستقبل للأحزاب إذا لم تعط المثال بنفسها
اعتبر عبدالإله بنكيران، الأمين العام للعدالة والتنمية، أن الديمقراطية هي إيمان قبل كل شيء، وأنه لا مستقبل للأحزاب إذا لم تعط المثال بنفسها . وساق عبدالإله بنكيران مثالاً على ذلك قائلاً إنه في مؤتمر الحزب الأخير، كان متوقعاً أن يفوز بالأمانة العامة الدكتور سعد الدين العثماني، لكن خلال نقاشات المؤتمر تغير كل شيء، لأن مناضلي الحزب اختاروا التصويت واختيار الأداء .
وشدد بنكيران على أنه إذا كان اعتماد عتبة 10 في المائة في مصلحة البلاد، فلا بأس أن نطبقها، مؤكدا على ضرورة أن تنكب الأحزاب على إيجاد صيغ لتدبير خلافاتها الداخلية .
ودعا بنكيران أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية إلى التفكير في شكل من أشكال التنسيق مع حزب العدالة والتنمية للإسهام في الإصلاح السياسي بالبلاد، موضحاً أنه يمكن للأحزاب الوطنية الديمقراطية، رغم الاختلاف حول المشروع المجتمعي، أن تتحالف حول القضايا الوطنية ذات الصبغة العامة كمحاربة الفقر والأمية والسكن غير اللائق وكل ما من شأنه أن يسعى إلى تحسين ظروف حياة المواطن المغربي .
وأكد الأمين العام لحزب “المصباح” أن المغاربة اليوم يمكن لهم أن يتمتعوا بديمقراطية حقيقية وهم مسؤولون فيها، مشدداً على أن الديمقراطية هي ضرورة حتمية، لأننا في زمن لا يمكن أن يتمشى دون ديمقراطية .
وأكد بنكيران أنه لا يمكن أن ينجز شيء من دون توافقات داخلية، ولهذا يجب على الأحزاب السياسية أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في هذا الشأن .
وبحسب بنكيران، فإن الدولة فاعل رئيسي في الحياة السياسية مثلما يوجد في جميع الدول، مؤكداً أن المغرب يستحق أكثر، لأن له شأناً وتاريخاً عريقاً، ويستحق أن يكون في مصاف الدول المتقدمة . وفي سياق حديثه عن التحالفات، التي شهدتها الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، أعلن بنكيران أن هذه التحالفات أبانت عن ممارسات تخل بالمسار الديمقراطي، مشيراً إلى أن هذه التحالفات يمكن أن تقوم بين أحزاب ترى أن هناك أرضية مشتركة بينها للعمل السياسي .
كما أكد بنكيران أنه لا يطالب بإصلاحات دستورية تقلب الأمور رأسا على عقب، وإنما ضرورة التوصل إلى توافق حول الإصلاحات الدستورية في إطار التفاهم والسعي للوصول إلى نتائج حقيقية .
وبعد أن شدد على ضرورة أن تصبح الأحزاب السياسية أحزابا حقيقية، ذكر بأن العدالة والتنمية يؤمن بالثوابت الوطنية .
معارضة شكلية في البرلمان
قال عبدالهادي خيرات، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إن الاتحاد يوجد في الحكومة الحالية برغبة ملكية، إذ طلب منه المشاركة بإلحاح، معتبراً أن المعارضة التي توجد في البرلمان، معارضة شكلية، شأنها شأن الأغلبية .
وأضاف خيرات أن البرلماني هو الذي يجب أن يختار، لا أن تفرض عليه أشياء، من خلال احترام هذه الهيئة التشريعية، مشددا على ضرورة تخليق الحياة السياسية .
وطالب خيرات بضرورة احترام الفاعلين السياسيين بالمغرب للمؤسسات الدستورية، وخاصة المؤسسة التشريعية، عبر استشارتها في كل المبادرات الاستراتيجية، داعياً إلى تفادي “محاولات تقزيم” الأحزاب السياسية بالمغرب .
تأهيل الأحزاب
ذكر نبيل بن عبدالله، عضو الديوان السياسي للتقدم والاشتراكية، أن التحالفات ضرورة حتمية، ومنطقها يقتضي دون مفر توضيح طبيعتها على أساس برنامج واضح ومحدد، مؤكدا أنهم لا يزالون في حاجة إلى الكتلة، ولا مفر عنها، رغم سباتها العميق .
وقال عضو الديوان السياسي أنه لا بديل للتقدميين الديمقراطيين عن الكتلة، ومن داخلها خلق صف يساري قوي يمكنه المضي قدما إلى الأمام .
وأعلن نبيل بن عبدالله أنه في إطار الوضوح، فعندما نتكلم عن مشروع ديمقراطي حداثي ملكي، فهو فعلا موجود، ونؤكد على أنه لم يأت من العدم، وهو مشروع يجسد توجهات لطالما دعت إليها مكونات سياسية تقدمية ديمقراطية متجذرة في هذه البلاد .
وأضاف ابن عبدالله أن حزبه انخرط في هذه التجربة، لأن فيها إيجابيات عدة، مستطردا أن ذلك لا يعني البتة، أنه لا يمكن تسجيل إخفاقات وسلبيات وحدوث تراجعات .
وأكد القيادي في التقدم والاشتراكية أن وجودهم في الحكومة لا يلغي البتة لمناقشة والوقوف عند التعثرات التي يمكن أن تحدث، ويمكن أن تتفاقم في المستقبل .
وأوضح عضو الديوان السياسي أن الأحزاب تقر أن هناك نظاماً ملكياً ديمقرطياً يجسد إرادة الشعب .
وبعد أن أعلن أنه يقدر في حزب العدالة والتنمية مصداقيته ومشروعيته السياسية، وأنه يحترم كذلك موقعه السياسي في الحقل الحزبي، قال إن هناك بالمقابل تجارب أخرى طفيلية، خلقت بسبب تفريخ وخلافات داخلية .
وتحدث نبيل بن عبدالله إلى أن هناك حزباً جديداً اسمه الأصالة والمعاصرة يقول إنه جاء بخطاب جديد في اتجاه القطبية وغيرها، لكن لم نر شيئاً من ذلك في الانتخابات الأخيرة، وفي نهاية المطاف جرى اللجوء إلى الأساليب نفسها السابقة، وبشكل أفظع .