رجحت دراسة حديثة لمجموعة بوسطن الاستشارية أن يشهد الاقتصاد العالمي حركة تعافٍ بطيئة تتفاوت سرعاتها من منطقة إلى أخرى في العالم، فبحسب الدراسة ومع ارتفاع مستويات البطالة الحقيقية في الولايات المتحدة والتي تقدرها المجموعة بحوالي 16% يتوقع أن تشهد الولايات المتحدة تباطؤاً حاداً في النمو، وكذلك الحال بالنسبة لبعض الاقتصادات المتقدمة في العالم .
في المقابل سيكون هناك نمو قوي ومتسارع في القوى الاقتصادية الجديدة للعالم في القارة الآسيوية . وسيكون هناك مجموعة ثالثة ستشهد تباطؤاً أكثر حدة في نموها الاقتصادي مع نضوب موارد السيولة اللازمة لسياسات التحفيز الاقتصادي لديها، الدعم الضروري لحفز النمو والتعويض عن التراجع الحاد في الطلب المحلي .
قال معد الدراسة ديفيد رودز وهو شريك أول ومدير إداري في مجموعة بوسطن الاستشارية، والقائد العالمي لقسم المؤسسات المالية في المجموعة خلال مؤتمر صحافي للمجموعة في دبي أمس إن النصف الأول من العام الجاري على الأرجح سوف يبدو أفضل بالمقارنة بالفترة نفسها من عام ،2009 وهذا على حد قوله أمر طبيعي بالنظر لحدة الانكماش في النصف الأول من العام الماضي . إلا أن الوضع ليس على هذه الدرجة من الإيجابية فأسعار العقارات في الولايات المتحدة تواصل التراجع ومازالت مستويات البطالة مرتفعة . ورجح رودز أن نشهد في المرحلة المقبلة المزيد من التدخل الحكومي وعلى مستوى كل القطاعات التي تحظى باهتمام شعبي وعلى رأسها الرعاية الصحية والبنوك والخدمات المالية .
وبحسب رودز فإنه من المتوقع أن تنخفض معدلات النمو السنوي طويل الأمد في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان إلى ما دون 2 في المائة وذلك في الفترة الممتدة بين العام 2010 و،2015 وفي حال اتباع الاقتصادات للنمط التاريخي المعتمد للنمو الذي يلي الركود الاقتصادي والذي وضعه صندوق النقد الدولي .
وفي المقابل، من المرجح أن تعاود معدلات النمو في كل من الصين والهند والبرازيل تحقيق مستويات مشابهة للمستويات المسجّلة قبل الأزمة وهي: 8 و9 في المائة بالنسبة إلى الصين، وما بين 6 و7 في المائة في الهند، وبين 3 و4 في المائة بالنسبة للبرازيل . وبذلك فإن روسيا هي الدولة الوحيدة من مجموعة الدول سريعة النمو التي تواجه احتمال تسجيل معدلات نمو منخفضة حتى 2 و3 في المائة، أي أقل بكثير من المعدلات المحققة قبل الأزمة .
يُذكر بأن هذه الدراسة التي تسلّط الضوء على الانبثاق السريع لعالم مختلف السرعات، تم إصدارها بالتزامن مع كتاب سيصدر قريباً تحت عنوان: الخروج السريع من الركود الاقتصادي العظيم: الفوز في ظل اقتصاد بطيء النمو من تأليف دايفد رودز ودانيال ستلتر وهما شريكان في المجموعة وتصدره دار ماكغرو-هيل، يناير/ كانون الثاني 2010 .
ويقول ستلتر وهو شريك أول ومدير إداري في مجموعة بوسطن الاستشارية وقائد عالمي لقسم تطوير الشركات في المجموعة: “الفكرة الرئيسية الكامنة وراء تقديراتنا المستقبلية المحتملة للاقتصاد العالمي هي التالية: ينبغي على قادة الأعمال الاستعداد لعالم ذي سرعتين” .
وتابع: “يبدو أن العديد من الدول النامية استطاعت تفادي الأزمة الاقتصادية، حتى الآن على الأقل . ويجب أن يدفع هذا الأمر الشركات في الغرب لإدراك أنها ستواجه صراعاً شرساً لتحقيق النمو على مدى السنوات الخمس حتى العشر المقبلة، إن لم تكن قد أدركت ذلك فعلاً” .
وأضاف رودز: “سوف يتميز عهد ما بعد الأزمة بتواجد فريقين: “الحاصلين على النمو” و”المفتقرين له” . وينبغي على الشركات إدراك هذا الأمر، والعمل بشكل استباقي لتطوير نماذج أعمال تمكنهم من الاستفادة القصوى من فرص النمو حيث وجدت” .
ووفقاً لصندوق النقد الدولي، تتجه الاقتصادات لاختبار “فجوة الناتج” في السنوات السبع التي تلي أي أزمة مصرفية، وتعني الفرق بين الناتج الفعلي المتحقق الآن ونمط النمو الذي كان متوقعاً قبل الأزمة . وبمعدل وسطي، ينخفض الناتج الحقيقي بنسبة 10 في المائة عن اتجاهه ما قبل الأزمة (فجوة ناتج بنسبة -10 في المائة) .
وبناءً على النتائج التي توصّل إليها صندوق النقد الدولي، ابتكرت مجموعة بوسطن الاستشارية نموذجاً لاكتشاف تأثيرات الركود الاقتصادي العظيم على أنماط النمو المحتملة . ويُظهر هذا النموذج بأنه من المتوقع أن تكون فجوة الناتج أسوأ بكثير من المعدل في بعض الدول .
في روسيا، يتوقع نموذج مجموعة بوسطن الاستشارية تحقيق فجوة ناتج في العام 2015 بنسبة -7 .29 في المائة، وفي المملكة المتحدة بنسبة -7 .16 في المائة، وفي الولايات المتحدة بنسبة -8 .12 في المائة؛ وفي ألمانيا بنسبة -7 .11 في المائة . وفي المقابل فمن المتوقع أن تتفوق البرازيل على اتجاه النمو المتوقع قبل الأزمة لتحقق فجوة ناتج بنسبة 3 .1 في المائة . وبالنسبة إلى الهند فمن المرجح أن تبلغ فجوة الناتج نسبة -5 .2 في المائة وفي الصين نسبة -3 .4 في المائة .
عدم العودة إلى ممارسات ما قبل الأزمة
أكد الدكتور كامل معماريا الشريك في مجموعة بوسطن والمدير الإداري لمكاتبها في أبوظبي ودبي أن ما يهم في المرحلة المقبلة أن تستفيد المنطقة والإمارات من دروس الأزمة وألا يعود قادة قطاعات الأعمال بعد انقضاء الأزمة إلى ما عهد من ممارسات وإلى نفس نمط الأعمال السائد قبل الأزمة .
ولفت إلى أهمية الإدارة الفعالة للمخاطر وإلى أن يكون لدى رؤساء الشركات وأعضاء مجالس إداراتها الفهم والوعي الكافيين بطبيعة الأعمال وأن يكونوا على اطلاع دائم على كل ما يخص شركاتهم وما تواجهه من مخاطر .
وقال ان ما نحتاجه في المرحلة القادمة هو المزيد من الشفافية والصراحة والوضوح، العناصر اللازمة والضرورية لتعزيز مستويات الثقة . كما لفت كذلك إلى أهمية إيجاد القيمة المضافة .
ارتفاع مخصصات البنوك أمر إيجابي على المدى الطويل
قال الدكتور راينهولد ليشتفوس الشريك الأول والمدير الإداري في مكتب مجموعة بوسطن الاستشارية في دبي إن أداء القطاع المصرفي للإمارات والقطاعات المصرفية الشرق أوسطية بشكل عام كان إيجابياً رغم التأثيرات الحادة للأزمة العالمية في العام الماضي الذي استحق عن جدارة أن يطلق عليه عام المخصصات .
وأكد راينهولد أن عام 2010 سيشهد بدوره ارتفاعاً في مخصصات المصارف بالمنطقة، وسيواجه تباطؤاً في النمو، لكن بالرغم من ذلك فما زال وضع بنوك المنطقة أفضل حالاً حتى من أفضل البنوك العالمية أداءً مثل “جيه بي مورجان” و”بنك أوف أمريكا” و”ميريل لينس” .
وقال راينهولد إن ارتفاع المخصصات أمر إيجابي على المدى الطويل إذ يكفل استقرار البنوك وإن كان له انعكاسه السلبي على الربحية على المدى القصير .
وقال إن مستويات الملاءة المالية لبنوك المنطقة أعلى من البنوك العالمية، كما أن بنوك المنطقة أكثر ربحية وأعلى من حيث هوامش الربحية، كما أنها تمكنت من خفض التكاليف بفعالية .
ولفت إلى أن الأرقام الخاصة بالقطاعات المصرفية للمنطقة يندر أن نجد لها مثالاً حالياً على مستوى العالم من حيث إيجابيتها .
لكنه لفت إلى أن البنوك ستواجه أعباء في العام الجاري نتيجة تراجع الطلب على الائتمان في ظل تبعات الأزمة العالمية التي كان لها تأثيراتها الحادة على قطاعات الأعمال .
وقال بإمكانية القطاعات المصرفية الاستفادة من الأزمة على مستوى زيادة فعالية التكلفة .
كما لفت إلى إمكانية دخول البنوك في عمليات دمج أو حيازة لرفع فعالية الأداء والاستفادة من اقتصاد الحجم .
شركات التأمين تتجه إلى العقار
رجحت مجموعة بوسطن الاستشارية أن تدخل إلى سوق العقارات في الإمارات في المرحلة القادمة مجموعات جديدة من المشترين، وأبرزت من بينها شركات التأمين التي ستجد في سوق العقارات بدبي فرصاً استثمارية مهمة في المرحلة القادمة .
وتوقع دكتور سفين أولاف فاتيه الشريك والمدير المفوض لدى مجموعة بوسطن الاستشارية (بوسطن كونسلتنج جروب) أن يشهد القطاع العقاري في الإمارات تحولاً مهماً في المرحلة المقبلة مع تركيز شركات التطوير العقاري وبصورة أكبر على إدارة الأصول .
وقال ان شركات التطوير العقاري المحلية ستكون بحاجة إلى إعادة تقييم نماذج عملها من خلال التركيز على النوع وعلى تقديم الحلول المتكاملة وتعزيز العلاقات مع العملاء .