رأي ودراسات

البحـــث

    
استهداف المسيحيين وجه آخر للأزمة آخر تحديث:الجمعة ,12/03/2010

محمد الصياد

مئات من المسيحيين العراقيين خرجوا في نينوى وبغداد في يوم الجمعة الموافق الثامن والعشرين من فبراير/ شباط الماضي للتظاهر احتجاجاً واستنكاراً لعمليات القتل التي تستهدفهم، والتي أودت خلال النصف الثاني من فبراير الماضي فقط بحياة 10 منهم وتهجير 250 عائلة مسيحية تاركة منازلها في مدينة الموصل باتجاه سهل نينوى . فيما أُرغم الطلبة الجامعيون المسيحيون على التوقف عن متابعة دراستهم بسبب التهديدات المتواصلة، وقتلهم على الهوية واختطافهم من بيوتهم .


في مصر أيضاً خرج المسيحيون قبل حوالي شهرين في تظاهرات احتجاجاً على أعمال القتل وتدمير الممتلكات التي يتعرّض لها أقباط مصر على يد بعض المتشددين .


وكان المسيحيون في الجزائر قد تعرّضوا إبان الحرب التي اندلعت بين الدولة الجرائزية والجماعات المتطرفة خلال العقدين الأخيرين إلى أعمال قتل وإرهاب راح ضحيتها العشرات، بخلاف المئات الذين هُجِّروا من ديارهم .


فماذا عسى المرء أن يقول وهو يصعق بهذه الأنباء المفزعة بدلالاتها البليغة المؤشرة لمستوى الانحدار الذي آلت إليه أوضاعنا العربية العامة، وبضمنها أنساقنا القيمية والثقافية بالمجمل وقد أضحت ضيقة الصدر، طاردة للآخر لعدم احتمالها تقبل العيش المشترك معه، بل واللجوء إلى أبشع الوسائل وأكثرها خسة لمطاردته ومضايقته في عيشه والنيل منه ومن أقاربه وممتلكاته .


الأمر الأكثر سوءاً أن هذا “الآخر” الذي نعنيه ههنا ليس سوى نحن أنفسنا، من حيث إن هؤلاء المسيحيين المستهدفين هم أبناء جلدتنا الذين لا يختلفون عنّا إلا في العقيدة التي لم تكن يوماً خيارنا وإياهم ولا حاجزاً بين كافة مكوناتنا الدينية والمذهبية .


وهذا بالذات ما يفسر انتشار واندلاع موجات التعصب والتطرف الديني في غير بلد إسلامي عُرفت حتى وقت قريب بهدوئها وتسامحها الديني وسلامها الأهلي .


فلقد كانت مفاجئة بحق موجة العنف والتعصب الديني التي اجتاحت ماليزيا في الآونة الأخيرة بين المسلمين والمسيحيين، حيث جاء ذلك إثر قرار المحكمة الماليزية العليا بالسماح للمواطنين غير المسلمين باستعمال كلمة “الله” إشارة إلى الرب، متمثلاً في هجمات شنّها في السابع من يناير/ كانون الثاني الماضي شباب مسلحون متعصبون ومشحونون من قبل مشايخ التحريض على إقصاء واستئصال الآخر، حاولوا خلالها إحراق ثلاث كنائس كاثوليكية في العاصمة كوالالمبور بواسطة قنابل المولوتوف . وقد أحدث هذا التطور في الاحتقان الديني الناتج عن الشحن والتعبئة المنظمة، صدمة سياسية واجتماعية في بلد ظل حتى وقت قريب يعتد بتسامحه وتعايشه العرقي السلمي (يبلغ عدد سكان ماليزيا 28 مليون نسمة 60% منهم مسلمون فيما تمثّل النسبة الباقية أقليات صينية وهندية بوذية أو هندوسية ومسيحية) .


وفي نيجيريا البلد الإفريقي المترامي الأطراف بمساحته البالغة 924 ألف كيلومتر مربع وعدد سكانه المتعاظم (حوالي 150 مليون نسمة) وتنوعه العرقي السكاني (حوالي 250 مجموعة عرقية أبرزها وأكثرها تأثيراً قبائل الهوسا والفولاني بنسبة 29%، واليوروبا بنسبة 21%، وايبو 18%، وإجوا 10%) وتوزع انتماءات سكانه الدينية ما بين المسلمين بنسبة 50% والمسيحيين بنسبة 40% وأصحاب الديانات المحلية بنسبة 10% - في هذا البلد الإفريقي غير المستقر أصلاً بفعل صراعات أصحاب المصالح الذين أغرقوا البلاد في الفساد حتى أذنيها، وقعت في الثاني والعشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي مصادمات عنيفة ودامية بين المسلمين والمسيحيين في مدينة جوس الواقعة في وسط نيجيريا، تخللها إطلاق نار متبادل وإحراق لمحلات وممتلكات حتى قيل إن القسم الشمالي لمدينة جوس قد أُحرق بالكامل، والنتيجة أكثر من مائتي قتيل ومئات الجرحى وآلاف النازحين الذين أُحرقت منازلهم . وقبل أيام عادت الاشتباكات وأعمال القتل والتدمير من جديد بين المسلمين والمسيحيين مخلفة مزيداً من الضحايا من الطرفين .


وهذه الحوادث، ومثلها وأسوأ منها في باكستان والعراق، حيث وصل فيض الضغائن والأحقاد إلى مستوى التكفير واستحلال القتل، وهذا إلى مجازر يرتكبها مسلمون ضد مسلمين آخرين باسم فريضة الجهاد إياها التي يُنظّر لها بعض خطباء الجمعة على الدوام .


والأدهى والأمرّ أن كل هذا التنفير والاستعداء والتحريض لم يستدع ردود فعل مناسبة من جانب بقية أعضاء الجسم العربي والإسلامي التي لم يطلها العطب . إذ يكاد الصمت يطبق على أفواه الجميع فلا يكاد المرء يسمع همساً احتجاجاً على هذا الولوغ الخطير جداً في التيه حتى من جانب المثقفين والنخب النافذة .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

07/02/2012
الربيع العربي باعتباره علامة عربية مسجلة

03/02/2012
الدولة المدنية بعد صعود الإسلام السياسي

27/01/2012
ثورات الخريف العربي

22/01/2012
الربيع العربي باعتباره علامة عربية مسجلة

13/01/2012
صعقة النخب

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008