الخليج الثقافي
رؤية نظرية قائمة على الثقافة الشعبية
مسرح النجم وتأثيره في الجمهور آخر تحديث:السبت ,13/03/2010
د . صلاح الراوي

1/1

تتجه هذه المادة مباشرة إلى وقوف باحث  متخصص في الثقافة الشعبية - أو ما سمي بالتراث الشعبي تبسطاً وتساهلاً في أمر المصطلح ودقته - عند الشأن المسرحي . باحث يرى في الثقافتين الشعبية والرسمية والعلاقة بينهما رؤية نظرية محددة وآراء تمثل عنده منطلقات منهجية في تناول شؤون الفن والثقافة عموماً في تجلياتها المختلفة ومن بينها بطبيعة الحال فن المسرح الذي نراه كغيرنا أهم الفنون وأشدها خطراً من حيث طبيعته النوعية ومن حيث وظيفته .


إن ما نراه في شأن الثقافة الشعبية التي نتجه إليها بوصفها منبعا عمدة نستلهمه - أي نسأله أن يلهمنا - هو أنها (تراثا ومأثورا) تقوم على أجناس خمسة هي:


أولاً: القيم/ التصورات والمعتقدات .


ثانياً: الخبرات والمعارف .


ثالثاً: العادات والتقاليد .


رابعاً: الفنون (قولية - موسيقية - حركية - تشكيلية - درامية) .


خامساً: تشكيل المادة .


وإن استلهام هذه الثقافة هو من حيث التعريف الدقيق:


“ذلك النشاط الإنساني النوعي الذي يسعى فيه الفنان من خارج دائرة الجماعة الشعبية إلى الاستعانة بثقافة هذه الجماعة أو أحد أجناسها أو أنواعها أو عناصرها لبناء نص فني خاص قولي أو موسيقي أو حركي أو تشكيلي أو درامي، هذا هو التعريف المنطقي الذي نراه جامعاً مانعاً دون أية مصادرة لمناقشة هذا التعريف ونقده علمياً ومنطقياً” .


وإن الاستلهام يتخذ طرائق عدة نحصرها في ما يلي:


1- استدعاء بالقراءة أو من خلالها .


2- استدعاء بالتذكر .


3- استدعاء بالمعايشة .


وهذه الطرق بينها اختلاف لا يقف عند حدود الاختلاف في الدرجة، بل يتعداها إلى الاختلاف في النوع، لأن كل طريق منها يعكس - في اختيار الفنان له - رؤية هذا الفنان لمفهوم وطبيعة ووظيفة التراث والمأثور الشعبيين من ناحية، ولمفهوم وطبيعة ووظيفة الاستلهام أو التوظيف ومن ثم تقنيات هذا الاستلهام من ناحية أخرى، وهذه الرؤية تتبدى في تجليات معالجة الفنان موقفا وتقنية .


وإذا كان الاستدعاء بالقراءة يتيح للفنان المستلهم مساحة عريضة من المادة بحيث يكون المنشور من المأثور الشعبي كله فضلاً عن مادة التراث الشعبي التاريخي - المحلي وغير المحلي - مادة متاحة لاختياراته، فإن هذا اللون من الاستدعاء على الجانب الآخر يقلص من اتصال الفنان بحيوية هذه المادة فهو لا يقاربها - خاصة في التراث دون المأثور - إلا على الصورة المرقومة (المكتوبة أو المدونة) لهذه المادة، وهي صورة ليست دالة دلالة حية نابضة، إذ هي رقم (كتابة) لحكاية أو سيرة أو لجانب واحد من المعتقد هو النص القولي بعد تنحية الممارسة الشعائرية وهي الجانب الأساسي أو الوجه المعول عليه من وجهي عملة المعتقد كممارسة شعائرية في الأساس يصاحبها أن الأداء العملي نص قولي هو وحده الذي يبقى غالباً محاطاً بوصف قصصي يحكي - بالوصف - مراحل الممارسة، وإما رقم لوصف جانب من حياة الجماعة الشعبية في واحد من تجلياتها الاجتماعية الاعتقادية أو العملية مقتطعاً عن السياق الفعلي الحي المتناغم المتجادل الدينامي وظيفيا .


أما الاستدعاء بالتذكر فإنه يعلو درجة (ويختلف نوعيا) عن سابقه، وإن ظل الفنان المستدعى واقعاً في حال تماس مع الظاهرة التي يستلهمها، يحك جلدها بظفره أو يتحسسها عن بعد ما، فهو مهما تكن قدرته على تذكر ظواهر شاهدها - عايشها - في فترات سابقة من عمره وطبقات ثقافته لن يتجاوز حدود استرجاع الملامح العامة الباهتة من دون التفاصيل الجزئية - وهي بالغة الأهمية - ودون جو الأداء الفعلي الحي وهو أحد المحاور الرئيسة لطبيعة الظاهرة موضوع التذكر .


ويجيء أخيراً الاستدعاء بالمعايشة، وهذه الطريق من طرق الاستدعاء تمثل للفنان ميزة وتحدياً، والميزة والتحدي متلاحمان متجادلان، بل إن حجم الميزة مرهون بحجم التحدي، فبقدر ما يتيح هذا الضرب من الاستدعاء للفنان فرصة الدخول إلى رحم الظاهرة وبوتقتها والاختلاط بدمها وتذوق دفء هذا الدم، فإنه يقيم في مواجهة الفنان تحدياً يعد اجتيازه نجاحاً وبراعة فائقة ومثمرة، إذ إنه سيكون بمعايشته للظاهرة في تجربة عناء حقيقي، يتمثل في مكابدة حل المعادلة الصعبة (بالغة الصعوبة) في مخالطة الظاهرة والدخول فيها من ناحية وتحقيق قدر مناسب من الانفصال عنها والحياد في تلقيها والسيطرة على حدودها، أي الانتقال من التلقي الوجداني المتأثر إلى التلقي العقلي التحليلي المؤثر في فهم الظاهرة لا في الظاهرة نفسها إذ التأثير فيها غير وارد بحال من الأحوال .


ويصعب لحد الاستحالة أن يحقق الفنان - الذي يستدعي الظاهرة الثقافية الشعبية بالمعايشة لغرض الاستلهام - الموقفين النقيضين في آن واحد - هو آن التلقي الحي - أي أن يكون جزءاً من الظاهرة داخلا فيها (عائشا)، وأن يكون كلاً محايداً خارجاً عن قوانين الظاهرة (مراقبا ومحللا) ذلك أنه يعيش ظاهرة تمثل جانبا من مصادر ثقافة جماعته (أو التي كانت يوماً ما جماعته) وهي جزء من مكوناته الثقافية والوجدانية مهما تكن نسبتها في بنائه العقلي . ونواجه نحن الباحثين الميدايين المتخصصين - ومهمتنا علمية أساسا وعلميتها تقتضي حيادنا أو تفترضه - هذه المعضلة إبان عملية جمع المادة ميدانيا، إذ يتعرض الباحث الميداني، مهما يؤتى من مقدرة على الحياد بالمران والتوصل بالمنهج العلمي، للاستقطاب - بصور متفاوتة - من قبل الظاهرة الثقافية الشعبية المؤداة إذ يتحول بدرجة ما - وعلى غير إرادته - إلى جزء من الواقع “الإمبريقي” للظاهرة فهي جزء من ثقافته أو طبقة كامنة تحت السطح من طبقات هذه الثقافة . وتتباين الآراء - وأغلبها شفاهي لم يتخذ طريقه إلى التقنين النظري المكتوب - حول تحديد مهارة الباحث وسلامة موقفه داخل هذه المعضلة، وحين يرى البعض اندماج الباحث الميداني في الظاهرة أمراً محبذا على أساس براجماتي ولهدف عملي تحصيلي، فإن درجة حياد هذا الباحث عن الظاهرة تدخل أيضاً في محددات مهارته ودقته العلمية . على أنه - في رأينا العلمي الخاص - يعد احتفاظ الباحث الميداني - فما بال الفنان المبدع - لدرجة توتره بين الانحياز للظاهرة ومحايدتها هو معيار حيوية هذا الباحث وإن كان الثمن باهظا من حيث ما يبذله من طاقة نفسية .


وعلى أساس هذه الطرق الثلاث في الاستدعاء فإن الفنان المستلهم يبني عمله (نصه) الفني في إطار علاقة ما مع المادة الأصلية التي يستدعيها مستلهماً إياها .


إن المبدعين من الصفوة ربما يمسهم بعض القلق إزاء ما يبدو تحديدات صارمة بينما الفنان ينشد حرية لا تحدها حدود، ويتوق إلى السباحة في بحار بلا ضفاف، ولا بأس من هذا النشدان، ولا تثريب على توق من هذا القبيل . ولكن قضية التأسيس لنظرية أو اتجاه أو محض رؤية أو تعبيد طريق، وشق مجرى منهجي نحو منبع من منابع الإبداع هو متفجر في تربتنا المحلية - مع أبعاد إنسانية عامة وأصيلة - بالتوهج والعمق والتراكم الاجتماعي والثقافي (المعرفي) إنما يقتضي النظر إلى التحديدات الأكاديمية بقليل من عدم الاسترابة والتوجس .


لقد وضعنا تصورا أو على الدقة حصرنا اجتهادات الاستلهام في احتمالات عدة نزعم أنها استوفت شأن الاجتهادات أو أقله سعت إلى استيفاء مستغرق دون مصادرة بطبيعة الحال - وبداهة - أي نظرة تتجاوز هذه التجديدات حذفا أو إضافة أو تعديلاً .


“إن الفنان الفرد من خارج الجماعة الشعبية حين يبني نصه مستلهما فإنه لا يخرج عن حدود الاحتمالات التالية:


1- البناء (على) الثقافة الشعبية: أي يتخذها أساسا يقيم عليه نصه


2- البناء (فوق) الثقاقة الشعبية: أي أنه لا يتخذها أساسا وإنما يبني فوق سطحها .


3- البناء (مع) الثقافة الشعبية:


أ- بالتوازي مع هذه الثقافة بحيث يمضي كل منهما بموازاة الآخر مستقلاً بذاته .


ب- بالتضفير مع هذه الثقافة فيتحقق لنصه قدر من الالتحام بهذه الثقافة وهي درجة أفضل من البناء بالتوازي .


4- البناء (خلف) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يتخفى أو يتوارى وراء هذه الثقافة التي تحتل الصدارة ويجئ نص الفنان الفرد محض ظل لها .


5- البناء (أمام) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يبرز شاخصاً ولا تمثل الثقافة الشعبية إلا خلفية لهذا النص .


6- البناء (يمين) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يجئ على درجة من التقليدية تجعله متخلقا من قيم ومتواضعات، ورؤى هذه الثقافة، وذلك عن توهم لدى الناص أنه أمين مع هذه الثقافة محافظ عليها في سمتها الحقيقي الذي يراها عليه .


7- البناء (يسار) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يجيء مفارقاً لهذه الثقافة ورؤية أصحابها للعالم وتجليات هذه الرؤية، وذلك عن توهم لدى “الناص” أنه حريص على تجاوزه ما يراه تخلفاً من هذه الثقافة .


8- البناء (ضد) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يجيء مصادماً لهذه الثقافة ورؤية أصحابها للعالم وتجليات هذه الرؤية، وذلك عن رغبة من “الناص” في اتخاذ موقف نقدي من هذه الثقافة . وربما يدهش المستلهمون عندما نذهب إلى أن هذا حق مشروع، إلا أنه مشروط ببذل جهد مضن ومضاعف لتحقيق هذه الغاية بحيث لا يجيء البناء المضاد وليد رؤية سطحية أو أيديولوجية متشنجة أو مفرطة لم تعط الثقافة الشعبية حقها من الدرس والتحليل وعمق النظر، إنما تعتمد على أحكام معيارية مسبقة تدين قبل أن تستبصر وتدقق النظر وقبل أن توغل في صحبة هذه الثقافة إيغال الساعي إلى الفهم والحريص على استبطان المعاني والدلالات والمرامي .


9- البناء (في) الثقافة الشعبية: أي أن نصه يجيء متناغماً مع حقائق هذه الثقافة وطرقها في المعالجات الفكرية والتقنية، بحيث يتحقق هذا النص من الإبداع الخاص، أو تغلب عليه مجموعة من السمات التي تجعله يبدو آتياً من الثقافة الشعبية وعائداً إليها، لا تكاد تميزه عنها إلا العين المدققة .


وهذا الاحتمال الأخير هو أصعب الاحتمالات إلا أنه أجود الاحتمالات من حيث الصورة التي يجيء عليها النص القائم على استلهام الثقافة الشعبية، ومن ثم فهو أندرها من حيث التحقق الواقعي .


إن مشاهد مسرح الممثل النجم - وقد عبث الممثل النجم بذائقته بالتكرار والتراكم وبتوظيف الآلة الدعائية الجهنمية - لا يتجه إلى المسرح ليشاهد عملاً مسرحياً يجادل وعيه ويشركه في مناقشة واقعه مناقشة عميقة عبر آليات الفن وسحره، بحيث يخرج من العرض وقد ازداد وعياً بقضاياه الاجتماعية والإنسانية، وإنما هو يذهب إلى المسرح مأخوذاً بهذا النجم لتزجية فراغ أو للتسلية الخالصة .


ومن البديهي أن تكرار مثل هذه الآلية في التلقي يؤدي في نهاية المطاف إلى تكريس عادات سلبية في التلقي وبطبيعة الحال في استقرار ذائقة رخوة ومسترخية، وصولاً إلى أكذوبة كبرى بلغت حد الشعار الراسخ (الجمهور عاوز كدا) يرددها نجوم المسرح التجاري بوصفها قاعدة ذهبية وعذراً هو في حقيقة أمره أقبح من ذنب تربية ذوق الجمهور على هذا النمط من المسرح الذي لا ينتمي إلى قضايا الناس الحقيقية، والمسرح التجاري - والممثل النجم هو أداته الناجعة - يعلق التبعة برمتها في رقبة الجمهور، متجاهلاً تماماً أن هذا الجمهور - وعلى هذه الكيفية - هو صنيعة هذا المسرح، وبذلك تمضي الأمور في حلقة مفرغة .


إن مسرح الممثل النجم لا يقيم للجمهور وزناً إلا في حدود كونه مستهلكاً لسلعة، وبقدر ما يجيد هذا المسرح جعل هذه السلعة مبهرة وجذابة بقدر ما يحقق الغاية من وجود هذا المسرح في بعده التجاري الغالب والمرجح .


جزء من ورقة مقدمة إلى ملتقى الشارقة السابع للمسرح العربي

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008